بقلم:راجي سلطان الزهيري
مرة أُخرى يشتعل سعر الصرف فجأة ويفتح باباً جديداً للغلاء ليعود الهاجس المُزمن هل يدفع الفقراء فاتورة القرار. طبعاً لم يعد الدولار مجرد رقم يظهر على شاشات البورصات العراقية بل أصبح رقماً يحدد للمواطن العراقي سعر الخبز والدواء والغذاء والنقل وكل تفاصيل حياته اليومية.
ومع قرار تعديل سعر الصرف الرسمي للدولار إلى 1520 ديناراً بدلاً من 1320 ديناراً وجد العراقيون أنفسهم أمام واقع اقتصادي وقطّ جديد بينما بقيت الرواتب والأجور في مكانها تقريباً.
وما إن صدر القرار حتى شهدت الأسواق الموازية ارتفاعاً كبيراً، مع تداول سعر 100 دولار عند مستويات قاربت 185 ألف دينار، الأمر الذي زاد مخاوف المواطنين من موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
راتب ثابت.. وسوق مُشتعل
المشكلة ليست في الدولار وحده وإنما في الفارق بين دخل المواطن وتكاليف الحياة فالموظف الذي يتقاضى راتباً ثابتاً لا يستطيع رفع راتبه كلما ارتفع الدولار والعامل اليومي لا يستطيع مطالبة صاحب العمل بمضاعفة أجره مع كل ارتفاع في الأسعار والمتقاعد هو الآخر يجد نفسه أمام مصاريف تتزايد بينما دخله محدود.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
من يحمي المواطن عندما ترتفع الأسعار أسرع من قدرته على زيادة دخله؟
تجار ينتظرون.. والمواطن يدفع
حالة الارتباك التي أصابت الأسواق بعد تغير سعر الصرف دفعت بعض التجار والمستوردين إلى التريث في عمليات البيع والشراء واغلاق المحلات، بانتظار استقرار السوق ومعرفة الاتجاه الجديد للأسعار، لكن المواطن لا يستطيع الانتظار.
هو يحتاج إلى الطعام والدواء وأجرة النقل ومصاريف المدرسة وهذه هي المفارقة القاسية في الاقتصاد العراقي: السوق يستطيع الانتظار، أما المواطن فلا يستطيع.
موجة غلاء.. وهاجس جديد
ارتفاع سعر الدولار ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على كثير من السلع والخدمات، خصوصاً تلك المرتبطة بالاستيراد، ومع ضعف الرقابة أو غياب التسعيرة الواضحة لبعض السلع، يبقى المواطن معرضاً لأن يتحول ارتفاع الدولار إلى مبرر لرفع أسعار كل شيء، حتى السلع التي لا ترتبط كلفتها بالدولار بصورة مباشرة.
وهنا تقع المسؤولية على الحكومة وأجهزة الرقابة:
هل ستترك السوق تتحرك وفق قاعدة "الدولار ارتفع، أم ستتدخل لمنع الاستغلال والمبالغة في الأسعار؟
حكومة الزيدي.. إمتحان قاتل
حكومة الزيدي تدخل مرحلة لن يكون الحكم عليها من خلال البيانات الرسمية فقط وإنما من خلال مائدة المواطن العراقي، إذا انخفضت القدرة الشرائية، وارتفعت أسعار المواد الأساسية، وأصبح الراتب عاجزاً عن تغطية الاحتياجات الشهرية، فإن المواطن لن يهتم كثيراً بالتبريرات الاقتصادية بقدر اهتمامه بسؤال واحد: كيف سأعيش؟
ولهذا فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً للحكومة في كيفية التعامل مع آثار تعديل سعر الصرف ومدى قدرتها على حماية أصحاب الدخل المحدود.
ومن حق المواطنين أن يطرحوا الأسئلة ومن واجب الحكومة أن تقدم إجابات واضحة وشفافة.
الفقراء ليسوا حقل تجارب، العراق بلد يمتلك موارد نفطية هائلة، ومع ذلك ما زال المواطن البسيط يشعر أن كل أزمة اقتصادية تبدأ من جيبه وتنتهي فيه.
وإذا كان تعديل سعر الصرف جزءاً من سياسة اقتصادية ترى الحكومة أنها ضرورية، فإن حماية المواطن يجب أن تكون جزءاً موازياً لهذه السياسة.
فلا معنى لإصلاح اقتصادي ينجح في الأرقام ويفشل في حياة الناس، ولا يمكن الحديث عن استقرار اقتصادي بينما الأسرة العراقية عاجزة عن شراء احتياجاتها الأساسية.
معيشة الناس.. الى أَين!
قد تكون أمام حكومة الزيدي قرارات اقتصادية صعبة، لكن الأصعب منها هو أن يتحول المواطن الفقير إلى الطرف الذي يدفع ثمن كل قرار.
المطلوب ليس فقط مراقبة سعر الدولار، وإنما مراقبة سعر حياة المواطن، فالعراقي لا يعيش على الدولار، لكنه يعيش على ما يشتريه بالدينار.
وإذا ارتفع الدولار، ثم ارتفعت الأسعار، وبقيت الرواتب كما هي، فإن النتيجة الطبيعية ستكون تراجعاً أكبر في القدرة الشرائية واتساعاً للضغط على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن العراقي الإجابة عنه: هل ستكون الإجراءات الحكومية المقبلة لحماية الناس من الغلاء، أم أن المواطن سيجد نفسه مرة أخرى أمام فاتورة اقتصادية جديدة يدفعها من قوته وقوت عائلته؟
المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!