العراق وسوريا يحييان مشروع كركوك – بانياس: حلم المليوني برميل يتحدى أشباح الماضي والضمانات المفقودة!

تقارير 30 October 2026
يعيد العراق وسوريا إحياء مشروع تصدير النفط عبر خط كركوك – بانياس بطاقة مستهدفة تصل لمليوني برميل يومياً لتنويع منافذ التصدير. وبينما يرى خبراء اقتصاد في المشروع فرصة استراتيجية لتأمين الصادرات وتقليل مخاطر الممرات البحرية، يشدد خبراء نفط على أن نجاحه مرهون بتقديم رؤية حكومية متكاملة، وحسم كلفته التقديرية (15 مليار دولار)، وآلية تمويله، وضمان استدامته الأمنية والفنية.
صورة غير مكتملة

ويقول الخبير النفطي عاصم جهاد، إن “مشروع تصدير النفط العراقي عبر ميناء بانياس السوري يمثل خياراً استراتيجياً مهماً لتنويع منافذ التصدير، لكنه يحتاج إلى رؤية حكومية واضحة تحدد طبيعته وأهدافه ومراحل تنفيذه وآلية تمويله”، مشيراً إلى أن “المعلومات المعلنة حتى الآن تتناول مسارات وطاقات مختلفة، دون تقديم صورة مكتملة عن المشروع الذي سينفذ فعلياً أو الالتزامات التي سيتحملها العراق”.

ويضيف، أن “الإعلان عن طاقة تصديرية مستهدفة لا يعني توافر قدرة تشغيلية حالية، كما أن مذكرات التفاهم والدراسات لا تعني اكتمال التعاقد على التنفيذ”، مبيناً أن “هناك تصوراً لمنظومة تربط البصرة بحديثة ومنها إلى فيشخابور، مع تفرع باتجاه بانياس، بطاقة مطروحة تبلغ مليونين و250 ألف برميل يومياً، إلى جانب تصريحات تتحدث عن سعة تصل إلى مليوني برميل يومياً لمسار بانياس”.

ويوضح، أن “هذه الأرقام تحتاج إلى تفسير فني يوضح سعة الخط الرئيس وحصة كل تفرع والكميات المخصصة للمصافي والتصدير، فضلاً عن تحديد نطاق الكلفة التقديرية المتداولة، البالغة نحو 15 مليار دولار، وما إذا كانت تشمل الأنابيب ومحطات الضخ والخزانات والمنشآت داخل العراق وخارجه، بدلاً من نسبتها تلقائياً إلى وصلة واحدة”.

ويدعو جهاد الحكومة ووزارة النفط إلى ”تقديم توضيح متكامل بشأن طبيعة المشروع ووضعه الحالي ومساراته وطاقاته المستهدفة وكلفته التقديرية وآلية تمويله، إلى جانب تحديد ما أنجز من الدراسات والاتفاقات وما يزال قيد التفاوض، لأن المعلومات المتاحة لا تسمح حتى الآن بتقييم المشروع فنياً واقتصادياً أو تحديد التزامات العراق والمدة الواقعية لتنفيذه”.

بدايات المشروع

وتعود جذور مشروع تصدير النفط العراقي عبر سوريا إلى عام 1952، مع إنشاء خط أنابيب كركوك – بانياس، بطول يقارب 800 كيلومتر وطاقة ضخ تصل إلى 300 ألف برميل يومياً، ليشكل أحد أقدم منافذ العراق نحو الأسواق الأوروبية عبر البحر المتوسط.

لكن الخط تعرض للتوقف عام 1982، خلال الحرب العراقية الإيرانية، وسط خلافات سياسية بشأن رسوم العبور وتوترات أمنية، ما دفع العراق إلى البحث عن منافذ بديلة عبر تركيا، فيما اتجهت سوريا إلى تعزيز تعاونها في قطاع الطاقة مع إيران. وتعرض الأنبوب لاحقاً لأضرار واسعة نتيجة الظروف الأمنية وأعمال التخريب، فيما تعثرت محاولات استئناف الضخ، ليبقى المشروع معلقاً لعقود.

وفي 12 أيار 2025، برز تحرك جديد بعدما أرسل العراق وفداً رسمياً رفيع المستوى إلى سوريا لدراسة الجدوى الفنية والاقتصادية لإعادة تأهيل وتشغيل خط كركوك – بانياس.

وجاءت الخطوة ضمن مساعي بغداد لتنويع منافذ تصدير النفط وتأمين بدائل مستدامة، خصوصاً في ظل المخاطر الإقليمية التي قد تؤثر في استمرارية الصادرات.

وفي 20 أيلول 2026، كشف وزير الطاقة السوري محمد البشير، خلال جلسة استماع أمام مجلس الشعب، عن توقيع مذكرة تفاهم مع تحالف شركات لتنفيذ مشروع استبدال خط كركوك – بانياس المتهالك بالتعاون مع الجانب العراقي.

وأشار إلى أن سوريا قد تستفيد من رسوم العبور وأولوية شراء النفط المنقول، إلى جانب الاستفادة من خط الغاز العربي والشبكات الداخلية.

وجاء ذلك وسط تحديات يواجهها قطاع الطاقة السوري، إذ تبلغ طاقة المصفاتين نحو 150 ألف برميل يومياً، مقابل احتياجات تكريرية إضافية تقدر بنحو 200 ألف برميل يومياً، يجري استيرادها كمشتقات، فضلاً عن حاجة البلاد إلى نحو 24 مليون متر مكعب من الغاز يومياً لتشغيل محطات الكهرباء الجاهزة.

وفي أحدث التحركات، بحث رئيس الوزراء علي فالح الزيدي والرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقائهما في دمشق، أمس الأول الأربعاء، تصدير النفط العراقي عبر خط بانياس بطاقة مستهدفة تصل إلى مليوني برميل يومياً.

وشملت المحادثات تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني وزيادة التبادل التجاري وتطوير القطاع الزراعي وتنسيق المواقف بشأن القضايا الإقليمية.

تقييم شامل

وفيما يتعلق بإمكانية إعادة تأهيل الأنبوب النفطي القديم، يرى الخبير النفطي أن “المشكلة لا تقتصر على حالته الفنية، إذ كان الخط يتغذى من نفط كركوك، ولا يمكن افتراض توافر كميات إضافية لضخها عبره في ظل الاحتياجات المحلية والالتزامات التصديرية القائمة”.

وينبه إلى أن “تحقيق التدفقات النفطية الكبيرة المطروحة يعتمد أساساً على إيصال نفط الجنوب إلى حديثة ومنها إلى الساحل السوري، ما يجعل المشروع أوسع من مجرد إصلاح أنبوب تاريخي، ويتطلب تقييماً شاملاً لمنظومة التغذية والنقل والتخزين والتحميل”.

وبشأن توقيت تنفيذ مشروع خط الأنابيب الجديد، يشدد جهاد “ضرورة الفصل بين معالجة أزمة تصدير آنية وبناء منفذ استراتيجي للمستقبل”، متوقعاً أن “التقديرات المعلنة تراوحت بين ثلاث وأربع سنوات للتنفيذ، وقد تمتد المدة عند احتساب استكمال الدراسات والتعاقد والتمويل واحتمالات التأخير”.

ويجد، أن “نطاق ثلاث إلى خمس سنوات يمكن اعتماده تقديراً تحليلياً، وليس موعداً رسمياً محسوماً، فيما لا تمثل الكلفة المتداولة ميزانية تعاقدية نهائية، لارتباطها بنطاق الأعمال وحالة المنشآت والمواصفات المطلوبة”.

ويؤكد الخبير النفطي، أن الأزمة الحالية تعزز مبررات تسريع الدراسات وحسم القرار، لكنها لا تجعل المشروع حلاً فورياً، مستذكراً طرح فكرة إنشاء مسارات نفطية عبر سوريا خلال عامي 2010 و2011، ضمن تصور شمل ثلاثة أنابيب، الأول لنقل النفط الخام الثقيل بطاقة 1.5 مليون برميل يومياً، والثاني للخام الخفيف بطاقة 1.25 مليون برميل يومياً، بإجمالي طاقة نفطية يبلغ 2.75 مليون برميل يومياً، إضافة إلى أنبوب للغاز لتغذية محطات الضخ.

ويلفت إلى أن “ذلك التصور لم يتحول إلى منظومة عاملة، ما يستدعي مراجعة أسباب تعثره وتحديد المتغيرات التي طرأت على شروط التمويل والأمن والعبور والتنفيذ”.

تمويل المشروع

ويفضل جهاد تمويل البنية التحتية السيادية للمشروع حكومياً، حتى عن طريق الاقتراض إذا أثبتت المقارنة المالية أفضليته، مع الاستعانة بالشركات الدولية في التصميم والإنشاء وتقديم الخدمات، واحتفاظ الدولة بملكية المشروع وقرار استخدامه.

أما التمويل الاستثماري، يوضح أنه “يتطلب تدقيقاً في أجور النقل والضمانات والكميات الدنيا والدفعات المحتملة عند انخفاض التشغيل”، محذراً من ”تحول مرونة تنويع المنافذ إلى التزامات طويلة الأجل تحد من حرية العراق في إدارة صادراته، وهذه الشروط ينبغي التحقق منها قبل التعاقد، دون افتراض وجود اتفاقات نهائية بشأنها حالياً”.

وينبه جهاد إلى أن “المبالغة السياسية أو العاطفية في طرح المشروع قد تخلق توقعات غير قابلة للتحقق، أو تدفع باتجاه التزامات لا تتناسب مع الحاجة الفعلية والقدرة المالية للعراق”.

كما يدعو إلى “الاستفادة من تجارب التعطل والتخريب والخلافات السابقة، عبر تحديد مسؤولية كل دولة عن حماية مسار الأنابيب داخل أراضيها، وواجبات الجهات الأمنية والشركات المشغلة، وآليات التنسيق والاستجابة للطوارئ والصيانة”.

ويخلص جهاد إلى “بلورة رؤية حكومية متكاملة، تتولى إعدادها لجنة استشارية رفيعة المستوى تضم خبراء في النفط والاقتصاد والتمويل والقانون، بالتعاون مع وزارة النفط وشركة استشارية عالمية متخصصة ومستقلة عن الجهات المتنافسة على التنفيذ والتمويل”، عادً “هذه الرؤية ينبغي أن تبدأ بموازنة توقعات الإنتاج واحتياجات المصافي والكميات المتاحة للتصدير، ثم مقارنة البدائل وتحديد أولويات التنفيذ ومراحله والتزاماته، وصولاً إلى اتخاذ قرار يحفظ مصالح العراق وسيطرته على بنيته التصديرية ومرونة تسويق نفطه على المدى الطويل”.

فرصة استراتيجية

من جهته، يقول الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه، إن ”تصدير مليوني برميل من النفط العراقي يومياً عبر سوريا إلى ميناء بانياس يمثل فرصة استراتيجية لتنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على الموانئ الجنوبية ومضيق هرمز”، مبيناً أن ”المكسب الأهم لا يكمن في زيادة الإنتاج النفطي بحد ذاته، وإنما في ضمان استمرارية التصدير وتقليل المخاطر التي قد تتعرض لها الإيرادات العامة عند تعطل الممرات البحرية.

ويضيف، أن ”تصدير مليوني برميل يومياً يعني وصول الكميات السنوية إلى نحو 730 مليون برميل، وبسعر افتراضي يبلغ 70 دولاراً للبرميل، تصل القيمة الإجمالية للصادرات إلى أكثر من 50 مليار دولار سنوياً، وهذا المبلغ يمثل قيمة النفط المباع وليس أرباحاً إضافية للعراق، إذ يتحدد العائد الحقيقي وفق تكاليف النقل والتأمين والعبور، فضلاً عن الفارق السعري الذي يمكن تحقيقه في الأسواق الأوروبية”.

ويوضح عبد ربه، أن “المسار السوري قد يفتح فرصاً إضافية أمام النفط العراقي في الأسواق الأوروبية، لكنه لا يضمن زيادة الطلب بصورة تلقائية، نظراً لاعتماد المصافي الأوروبية في قرارات الشراء على نوعية الخام ونسبة الكبريت وتكاليف التكرير وأسعار الخامات المنافسة”، مشدداً على أن ”نجاح العراق في دخول هذه الأسواق يتطلب تقديم خاماته بشروط تجارية تنافسية وضمان استقرار الإمدادات”.

ويشير إلى ”ضرورة التمييز بين تنويع وجهات التصدير وزيادة إجمالي الطلب على النفط العراقي، لأن جزءاً من الصادرات قد يتحول من الأسواق الآسيوية إلى الأوروبية، دون أن يعني ذلك بالضرورة ارتفاع إجمالي الكميات المباعة”.

التكاليف والمكاسب

وفيما يتعلق بالجدوى الاقتصادية، يبين عبد ربه أنه ”لا يمكن الجزم بأن التصدير عبر سوريا سيكون أقل كلفة قبل استكمال دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية، إذ يتطلب المشروع تأهيل أو إنشاء بنية تحتية لنقل النفط من البصرة إلى حديثة، ومنها إلى بانياس، إلى جانب محطات الضخ والخزانات ومنشآت التحميل وتكاليف الصيانة والتشغيل والتأمين ورسوم العبور والنقل البحري إلى الأسواق المستهدفة”.

ويتابع، أن ”تقديرات نقلتها وكالة رويترز في 17 آب 2026 تشير إلى حاجة المشروع لاستثمارات لا تقل عن 15 مليار دولار، مع فترة تنفيذ قد تصل إلى نحو أربع سنوات”، مؤكداً أن ”تقييم الجدوى الاقتصادية يجب أن يشمل تكاليف الاستثمار والتمويل والتشغيل، وليس تكاليف النقل وحدها”.

ويلفت الخبير الاقتصادي إلى أن ”المسار السوري قد يكون أعلى كلفة من التصدير التقليدي في الظروف الطبيعية، لكنه قد يحقق قيمة استراتيجية كبيرة إذا أسهم في منع توقف الصادرات خلال الأزمات”، داعياً الحكومة إلى “اعتماد معيار واضح لتقييم المشروع يقوم على احتساب صافي العائد الإضافي لكل برميل مقارنة بصافي العائد المتحقق من منافذ التصدير الحالية”.

ويجد، أن “المكاسب المحتملة لا تقتصر على الإيرادات المباشرة، بل تشمل تقليل مخاطر انقطاع الصادرات، وتعزيز القدرة التفاوضية للعراق مع المشترين، وفتح منافذ بديلة تمنحه مرونة أكبر في إدارة سياسته النفطية والتجارية”.

ويخلص عبد ربه إلى أن ”مشروع تصدير النفط العراقي عبر سوريا ينبغي التعامل معه بوصفه استثماراً في أمن الصادرات وتنويع الأسواق، وليس مجرد البحث عن منفذ بحري جديد”، مؤكداً أن “استناده إلى دراسات جدوى دقيقة وعقود تجارية واضحة وإدارة اقتصادية سليمة قد يحوله إلى مدخل لتكامل اقتصادي عراقي سوري أوسع، يحقق مصالح البلدين ويعزز موقعهما في التجارة الإقليمية”.

ويشدد على أن” النجاح النهائي للمشروع يبقى مرهوناً بتكلفة البرميل وصافي العائد، فضلاً عن القدرة على حماية البنية التحتية وضمان استدامة التشغيل”.

وبين خط أنشئ عام 1952 وتوقف عام 1982، ودراسات عادت عام 2025، ومذكرة تفاهم ومباحثات جديدة في 2026، يعود بانياس إلى واجهة الخيارات النفطية العراقية، لكن الانتقال من الطاقة المستهدفة إلى براميل تتدفق فعلياً يبقى مرهوناً بحسم التمويل والاتفاقات والضمانات الأمنية، بعد عقود لم تكن فيها المشكلة في رسم مسار الأنبوب، بل في ضمان استمراره.



المصدر: العالم الجديد