RSS
2026-01-18 15:44:44

ابحث في الموقع

فجوة الأجيال تفاقم المشكلات العائلية في العراق

فجوة الأجيال تفاقم المشكلات العائلية في العراق
تتناقض الأفكار والتوجّهات بين جيلي الآباء والأبناء في العراق بسبب نشوء الأبناء وسط انفتاح كبير على العالم، بينما كانت طبيعة حياة الآباء مختلفة نتيجة الظروف التي عاشتها البلاد حين كانوا شباباً.

تعيش في بيوت العراق ذاكرتان لا تلتقيان بسهولة، إحداهما لآباء عايشوا الحروب والأزمات والحصار والخسائر، وأخرى لأبناء تشكّلت رؤيتهم للعالم في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، وتتغذى من قيّم فردية وأحلام لا تشبه حياة الأجيال السابقة، وبين الذاكرتَين تظهر فجوة في الفهم، وفي تعريف المفاهيم.

يقول الطالب الجامعي علي حسين (22 سنة): "الخلاف بيني وبين والدي شبه يومي، ليس بسبب اختلافات سياسية أو فكرية، بل بسبب تفاصيل الحياة اليومية. يريد والدي أن أكون حاضراً دائماً في المناسبات العشائرية، وأن أزور الأقارب باستمرار، وألتزم بعلاقات اجتماعية واسعة، لكنّني لا أجد نفسي في هذا النمط، وأشعر أن التواصل عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي يكفي. لديّ دائرة صغيرة من الأصدقاء يشبهونني في التفكير والاهتمامات، ولا أرى نفسي ملزماً بعلاقات اجتماعية لا أشعر بالارتياح فيها. وعموماً لا يعني الخلاف القطيعة لكنّه يعكس فجوة في الفهم بين جيل نشأ على مفهوم الجماعة، وآخر يرى الفردية حقاً طبيعياً".

ويرى شبان أنّ الآباء يجب أن يدركوا الفارق في المفاهيم والتقاليد والوعي والثقافات. يتحدث سجاد داود (20 سنة) عن صِدامٍ متكرّر مع عائلته بسبب مظهره وأسلوب حياته، ويقول: "اعتدت أن أرتدي ملابس عصرية، ووضع إكسسوارات، وقص شعري بأسلوب شبابي. هذه التصرفات تزعج والدي وأعمامي كثيراً، إذ يرون أنها لا تشبه تقاليدنا، بينما أرى أنها تعبّر عن شخصيتي. أعمل في تجارة الهواتف المحمولة، وأعتمد على نفسي، ولا أطلب من أحد شيئاً، كما ألتزم بالقانون وأحترم الآخرين، فلماذا يُحكم عليّ من خلال مظهري؟ ليست المشكلة في اختلاف القيم بقدر رفض الجيل الأكبر في العراق تقبّل الاختلاف رغم تغيّر الزمن والظروف الاقتصادية والاجتماعية".

ويروي مقدام الهيتي (23 سنة)، تجربة أكثر تعقيداً تتداخل فيها العائلة والتقاليد والمستقبل المهني، قائلاً: "الخلافات بيني وبين والدي جعلتني أغادر المنزل مرات عدّة. أرادوا تزويجي من ابنة عمي للحفاظ على الروابط العائلية كما فعلوا هم، لكنّني لم أكن مستعداً للزواج، ولم أقتنع بفكرة فرض شريك حياة عليّ. وامتد الخلاف إلى حياتي المهنية، إذ أراد والدي أن أعمل في مهنة الحدادة التي ورثها عن أجداده، بينما اخترت أن أزاول مهنة الحلاقة التي نجحت فيها، وفتحت محلاً خاصاً بي".

ويؤكد الهيتي أنه يحترم أهله ويطيعهم، لكنه يرفض أن تُصادر إرادته باسم التقاليد، ويقول: "هذه الحالة تؤلمني كثيراً لأنّني لا أريد أن أخرج عن طاعة والدَي، كما أنني لا أكون سعيداً حين يرضخ أهلي لقراراتي التي تخالف آراءهم، وأعتقد أنه يجب أن يعلم الأهل ببساطة أن زمانهم يختلف عن زمن أبنائهم".

في المقابل، يرى آباء أنّ ما يشبه حاجزاً نفسياً يصعّب من تواصلهم مع أبنائهم، وهو ما لم يكن يحصل في علاقتهم بآبائهم الذين كانوا دائماً نماذج يحاولون أن يكونوا نسخة مصغرة منها. يقول أحمد السعدي، وهو أب لثلاثة أبناء: "لا يشبهنا الجيل الحالي في شيء، فقد تربّينا في العراق على الطاعة، واحترام الكبار، والتضحية من أجل العائلة، واليوم يعيش أبناؤنا لأنفسهم، ولا يهتمون كثيراً بالعائلة. لم نكن أفضل منهم، لكنّنا عشنا حسب قواعد واضحة، أما اليوم فكل شيء مربك".

ويؤكد كمال الحسني، وهو موظف متقاعد، أنّ "لكل جيل ظروفه، لكنّه يشعر أحياناً بأن الفجوة تتسع أكثر مما يجب"، ويقول: "كنّا نختلف مع آبائنا أيضاً، لكن لم يكن يحدث انفصال حاد في التوجهات والآراء كما يحدث حالياً. أشعر أحياناً أنّني غريب داخل بيتي. لدي أربعة أولاد تتراوح أعمارهم بين 21 و26 سنة، وأسلوب حياتهم مختلف، سواء طريقة كلامهم أو حياتهم أو حتى أحلامهم".

ويرى مختصون في علم الاجتماع أن ما يشهده المجتمع العراقي هو نتاج طبيعي لتحوّلات عميقة، ويرون أن الجيل الذي وُلد بعد عام 2003 نشأ في بيئة مفتوحة إعلامياً وثقافياً، وتأثر بقيّم العولمة، في حين تشكّل وعي الأجيال السابقة في بيئة جماعية مغلقة فرضتها الحروب والظروف الصعبة.

يقول المختص في الطب النفسي فارس موفق، إنّ "الصِدام بين الأجيال ليس صراعاً أخلاقياً بقدر ما هو صراع في الرؤى، والمجتمع العراقي يختلف عن بلدان أخرى قريبة لأنه لم يتدرج في الانفتاح على العالم، إذ كان منعزلاً في وقت كان العالم فيه يتقدم بسرعة في تسعينيّات القرن الماضي".

ويؤكد، ان "الانفتاح السريع بعد عام 2003 جعل الجيل السابق أمام تغيير مجتمعي مفاجئ كان يصعب أن تواكبه نسبة كبيرة منهم، وذلك بخلاف الجيل الحالي الذي وُلد وترعرع ونشأ في وسط العولمة؛ لذا نجد فجوة كبيرة في التفاهم بين الجيلَين".




المصدر: العربي الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!