RSS
2026-03-01 11:09:53

ابحث في الموقع

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (11)

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (11)
بقلم: نزار حيدر

{تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}.

  صحيحٌ أَنَّها جُزءٌ من آيةٍ كريمةٍ يرسِمُ فيها المُشرِّعُ طبيعةَ العلاقةِ [الإِنسانيَّة] التي يجبُ أَن تحكُمَ المُؤمنُ معَ غَيرهِ، لكن يبدُو أَنَّنا اليَومَ نحتاجُها لتنظيمِ العلاقةِ مع بعضِنا كجماعةٍ واحدةٍ لِما نراهُ اليَوم من تمزُّقٍ وتفتُّتٍ أَصابَ السَّاحةَ بسببِ نصيحةٍ من أَحدٍ أَو تحذيرٍ يُطلِقهُ آخر، حِرصاً وليسَ عداوةً أَو حسداً كما يتصوَّر البعض!.

  فقد يكونُ تصوُّر المرءُ [المسؤُولُ تحديداً] الحَسن لعملهِ وخُططهِ التي يبذُلُ الكثيرَ من المالِ والوقتِ لتسويقِها كأَفضلِ ما موجودٌ في السَّاحةِ {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} تحولُ بينهُ وبينَ نقاشِ النَّصيحةِ بهدوءٍ أَو الإِنتباهِ للتَّحذيرِ أَو حتَّى الأَخذِ بهِ أَمامَ الملإِ وبالعلنِ وأَمامَ الكاميرات {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ} ورُبَّما ذلكَ من حقِّهِ إِذا اقتنعَ بهِ وتحمَّلَ مسؤُوليَّتهِ! إِلَّا أَنَّ هذا [الحَق] لا يُبرِّر حملاتهِ الإِعلاميِّة السيِّئة والظَّالِمة والوقِحة والخارِجة عن العُرفِ والأَخلاقِ ضدَّ النَّاصحِ، حتَّى تسافلَت وتهافتَت لتصِلَ إِلى مرحلةِ الطَّعنِ بالشَّرفِ والسُّمعةِ والدِّينِ والأَخلاقِ! فإِذا كانَ من حقِّهِ الدِّفاعَ عن مشروعهِ فيقبَل أَو يرفُض النُّصح والتَّحذير فإِنَّ النَّاصحَ كذلكَ من حقِّهِ أَن يقدِّمَ ما يراهُ ضروريَّاً من التَّحذيرِ وفي الوقتِ الذي يقدِّرهُ هوَ خاصَّةً ما يتعلَّق بالشَّأن العام الذي هوَ ليسَ مُلكاً شخصيّاً لأَحدٍ مهما عظُمَ شأنهُ وتميَّزَ بمنزلةٍ قياديَّةٍ أَو تحمَّلَ من مسؤُوليَّةٍ وإِنَّما هو ملكُ الجَماعةِ [الأُمَّة] في هذهِ الحالةِ.

  ويُخطئُ مَن يتصوَّر أَنَّ تحديدَ وقت النَّصيحة أَو التَّحذير بيدِ السُّلطةِ حصراً، أَبداً، فذلكَ يعني إِغتيال النَّصيحة وقتل التَّحذير، لأَنَّ السُّلطةَ عادةً لا تتحدَّث بهذِهِ العقليَّة والعكسُ هوَ الصَّحيحُ، فهي ترى أَنَّ واجِبها إِخفاءَ الأَزماتِ والمشاكِل والتحدِّيات عن الرَّأي العام حتى لا يُصغِ إِلى نصيحةٍ أَو تحذيرٍ يفضح فسادَها وفشَلها وخُطَطها المُضرَّةَ وغَير النَّافِعة!.

  إِنَّها تُجيِّشُ الذُّبابَ الأَليكتروني والبوَّاقةَ والمدَّاحينَ والمُطبِّلينَ لتسويقِ [نجاحاتِها] الوهميَّة، فكيفَ تنتظِرُ منها أَن تُحدِّدَ لكَ مَوعِداً للنَّصيحةِ أَو للتَّحذيرِ؟!.

  والشَّيءُ بالشَّيءِ يُذكَرُ فإِنَّ السُّلطةَ تتواءمُ مع الجُناةِ في هذا الأَمرِ؛ فقد أُتِيَ بِجَانٍ ومَعَه غَوْغَاءُ فَقَالَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {لَا مَرْحَباً بِوُجُوه لَا تُرَى إِلَّا عِنْدَ كُلِّ سَوْأَةٍ} والحرُّ العاقِلُ يفهمَها بالإِشارةِ!. 

  للأَسفِ الشَّديدِ فإِنَّ ميادِين النُّصح والتَّحذير والنَّقد البنَّاء فيما بينَ الجماعةِ الواحدةِ تحوَّلت اليَوم إِلى ساحاتٍ مفتُوحةٍ للمعاركِ الشَّرسةِ فيما بينهِم! سقطَت فيها الحدُود الشرعيَّة والأَخلاقيَّة والوطنيَّة، فلَم يعُد أَحدٌ ينتبِهَ لقَولِ الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} فبِمجرَّدِ أَن تقدِّمَ نصيحةً أَو تُشيرَ إِلى تحذيرٍ من نوعٍ ما يهجُمُ عليكَ البوَّاقةَ وكأَنَّكَ عدُوٌّ تريدُ الإِستيلاءَ على أَملاكهِم أَو تُزيحهُم عن نفوذهِم أَو تسعى لإِسقاطِ حاكميَّتهِم!.

  الجديرُ بالذِّكرِ هُنا أَنَّ كُلَّ الحِوار والنِّقاشِ يدُورُ عادةً في المُتغيِّرات [السِّياسة] وليسَ في الأُصولِ والثَّوابتِ! فما بالُكَ إِذا كانَ كذلكَ؟! بالتَّأكيدِ لسالتِ الدِّماءُ أَنهاراً ولقالَ كُلُّ واحدٍ لزميلهِ {لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ}!.

  إِلَّا اللَّهُمَّ أَنَّ المُصطلحات إِختلطَت في عقُولِنا بسببِ تغليفِ كُلِّ شيءٍ بالمُقدَّسِ حتَّى أُحصِرتَ في قوالِبَ يُحرَّمُ عليكَ الخرُوج منها أَو التمرُّد عليها!.

  وبسببِ هذهِ الحرُوب العبثيَّةِ ضاعَ الدِّينُ وضاعَت الأَخلاقُ وضاعَت التَّقوى وضاعَت حتَّى الأُسرة التي تُمزِّقها الخِلافات في وُجِهاتِ النَّظرِ، وكأَنَّنا نعيشُ في زمنِ الجاهليَّةِ الأُولى! حرامٌ عليكَ أَن تُبدي وجهةَ نظرٍ تُخالفُ بها رغَبات [الزَّعيم] أَو تنصحَ المُتصدِّينَ لموقعِ المسؤُوليَّة بعكسِ ما يودُّونَ سماعهُ من مديحٍ وإِطراءٍ فتجرحُ مشاعِرهُم! أَو تحذِّرَ الجماعةَ من مخاطرٍ تراها أَنتَ وقد لا يراها غيرُكَ.

  كلُّ هذا محرَّمٌ عليكَ في أَجواءٍ يحكُمها [الإِرهابُ الفكري والسِّياسي] إِذ ليسَ من حقِّكَ أَن تغرِّدَ خارِج سرب [البوَّاقة] أَو تسبحَ عكس [تيَّار المُطبِّلينَ للزَّعيمِ] إِنَّما يجبُ عليكَ فقط أَن تكونَ جُزءاً من الظَّاهرةِ، خطأٌ كانت أَم صحيحةٌ، المُهم أَن تصفِّق معَ المُصفِّقينَ وتبوِّق معَ بقيَّةِ الأَبواق وتهزُّ برأسكَ مُوافقاً معَ بقيَّة الرُّؤُوس بطريقةِ [بُز أَخفش]!.

  ليسَ من حقِّكَ أَن تكونَ نزيها فتُكافح الفَساد وتفضح الفاسدينَ! كما أَنَّهُ ليسَ من حقِّكَ أَن تتميَّزَ بالكفاءةِ والخِبرةِ ثمَّ تسأَل عن سببِ عدمِ وضعِ الرَّجلِ المُناسبِ في المكانِ المُناسبِ!.

  وليسَ من حقِّك أَن تميلَ لمبدأ الدَّولة مازالتِ الدَّولة العمِيقة هي التي تحكُم البِلاد.

  وليسَ من واجبِكَ أَن تحدِّد هويَّة الصَّديق والعدُو قبلَ [الزَّعيم]!.

  حتَّى شِعارات المرحلةِ حرامٌ عليكَ أَن تختارها قبلَ [الزَّعيم]!.

  كُلُّ هذا لأَنَّكَ نصحتَ وحذَّرتَ!.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!