{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}.
مَن يتصوَّرُ أَنَّ كُلَّ شيءٍ واضحٌ في هذهِ الحياةِ، النَّصوصُ والآراءُ والمواقِف، فهوَ على خطأ كبيرٍ، ولعلَّ ذلكَ من حِكَمِ الله تعالى في عبادهِ، ليُنتجَ الخلافَ والإِختلافَ الذي هوَ حجر الزَّاوية في التَّفكير السَّليم {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} وإِلَّا لاتَّكأ النَّاسُ وتواكلُوا ولم يسعَ أَحدٌ للوصُولِ إِلى الحقائقِ، وبالتَّالي لسقطَت علَّةَ خلقِ العَقلِ وانتفَت الحاجَةُ إِلى التَّفكيرِ! ولم يبقَ معنى للتَّعليمِ والتعلُّمِ {قَطَعَ الْعِلْمُ عُذْرَ الْمُتَعَلِّلِينَ} كما يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) والإِنتاج والعصفِ الفكري والبَحثِ والتَّحقيقِ.
ولهذا نرى أَنَّ كلماتٍ مثلَ {يَتَفَكَّرُونَ} و {يَعْقِلُونَ} و {يَرَوْنَ} و {سِيرُوا} تتكرَّر في القرآنِ الكريمِ وهي كُلَّها تحثُّ على النَّظرِ والتَّفكيرِ والبَحثِ والتقصِّي والتدبُّرِ ليصلَ الإِنسانُ إِلى الحقائقِ وعلى مُختلفِ المُستوياتِ.
حتَّى بعثَ الرُّسلِ والأَنبياءِ لم يكُن لهُ معنىً وقتها لأَنَّ أَعظمَ واجباتهِم الرِّساليَّةَ هو إِثارةَ العَقلِ كما يشرحُ ذلكَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) بالتَّفصيلِ {فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَه ووَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَه لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِه ويُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِه ويَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ ويُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ ويُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ}.
وبتتبُّعِ سيرةِ المعرفةِ نُلاحظُ أَنَّ البشريَّةَ تسيرُ في خطَّينِ؛ خطُّ المعرفةِ السَّليمةِ والصَّحيحةِ والتي لا تتجاوز على الثَّوابتِ الدينيَّةِ والعلميَّةِ وأَنَّ كُلَّ سلاحَها في البحثِ والتَّحليلِ هو العقلُ والمنطِقُ والجِدالُ بالتي هيَ أَحسنُ.
أَمَّا الخطُّ الثَّاني فهوَ خطُّ التَّزويرِ والتَّأويلِ المُضلِّلِ المُخادِعِ وهوَ ما تُحدِّثُنا عنهُ الآيةُ الكرِيمةُ وكأَنَّ التَّأويلَ صِناعةُ كُلَّ مَن هبَّ ودبَّ.
فالذينَ هدفهُم التَّضليل والخِداع لا يجوزُ لهُم أَن يؤَوِّلوا شيئاً من القرآن الكريم لأَنَّ نواياهُم غَير سلِيمة فهُم لا يريدُونَ بهِ الإِفصاحَ والتَّوضيحَ والتَّفسيرَ مثلاً لخدمةِ الحقيقةِ أَو لنشرِ الوعي والمعرفةِ وإِنَّما لإِثارةِ الفتنةِ التي تُنتجُ الخِداعَ والتَّضليلَ.
وهؤُلاء هُم الذينَ يروِّجونَ ما يخدِم مصالحهُم ويخفُونَ ما يتعارَض معَها كما في قولِ أَميرِ المُؤمنِينَ (ع).
فلقد قَالَ (ع) لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وقَدْ سَمِعَهُ يُرَاجِعُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ كَلَاماً؛ دَعْه يَا عَمَّارُ فَإِنَّه لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا قَارَبَه مِنَ الدُّنْيَا وعَلَى عَمْدٍ لَبَسَ عَلَى نَفْسِه لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِهِ}.
لذلكَ حصرَ المُشرِّعُ التَّأويلَ بالله تعالى والرَّاسِخُونَ في العلمِ وهُم رسولُ الله محمَّد (ص) وأَهلُ بيتهِ المعصومِينَ الطيِّبينَ الطَّاهرينَ (ع) حصراً {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}.
أَهلُ البيت (ع) الذينَ يصفهُم أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) بقولهِ {نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ ومَحَطُّ الرِّسَالَةِ ومُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ ومَعَادِنُ الْعِلْمِ ويَنَابِيعُ الْحُكْمِ نَاصِرُنَا ومُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ وعَدُوُّنَا ومُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ السَّطْوَةَ} وقولهُ (ع) {أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا كَذِباً وبَغْياً عَلَيْنَا أَنْ رَفَعَنَا اللَّه ووَضَعَهُمْ وأَعْطَانَا وحَرَمَهُمْ وأَدْخَلَنَا وأَخْرَجَهُمْ، بِنَا يُسْتَعْطَى الْهُدَى ويُسْتَجْلَى الْعَمَى إِنَّ الأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ غُرِسُوا فِي هَذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ لَا تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ ولَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ}.
والتَّأويلُ المُزيَّف والمُغرِض لا يختلِف كثيراً عمَّا وصفهُم القرآن الكريم في الآيةِ {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} فكلاهُما هدفهَما واحدٌ هو التَّضليلُ وإِثارةُ الشُّبهاتِ وكِتمانُ الحقَّ مع سبقِ الإِصرار.
ثم يحصرُونَ الحقَّ بدينهِم [المُلفَّق] الذي يصنعُونهُ بالتَّأويلِ المُزيَّف وكِتمانِ الحقَّ وإِلباسِ الحقَّ بالباطلِ {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} وقولُ فرعَونُ {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}.
تخيَّلُوا معي حالَ الأُمَّةَ عندما يكونُ الطَّاغوتُ والظَّالمُ والفاسِدُ والمأجورُ والدجَّالُ والجاهِلُ والأُميُّ مصدرَ العلمِ والمعرفةِ والمعلومةِ للرَّأي العامِّ! فكيفَ سيكونُ الحالُ؟! هل نتوقَّع أَن ينهضَ المُجتمعُ أَو يتعلَّمَ أَو يعي ويفهَم؟!.
ينبغي أَن نبحثَ عن المُعلِّمِ الحقيقيِّ قبلَ أَن نبحثَ عن العلمِ، فالمُحتوى السَّليم لا تجدهُ إِلَّا في الوعاءِ السَّليم والجَوهرُ والمولودُ الطَّاهرُ [العِلمُ] لا تجدهُ إِلَّا في رحمٍ طاهرٍ، وهذهِ هي طبيعةُ الأَشياءِ، فكما أَنَّكَ تبحثُ عن أُستاذِ الفيزياء مثلاً أَو الكيمياء أَو الرياضيَّات الذي يفهَم باختصاصهِ ويعرِف فنونَ إِيصال المادَّة لطُلَّابهِ، كذلكَ الأَمرُ في كُلِّ العلومِ الأُخرى، ينبغي عن تبحثَ عن أُستاذٍ يفهَمَ بها ويعرف كيفَ يشرحَها ويُفهِّمها التِّلميذ {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ} وهوَ الغرضُ المطلوبُ تحقيقهُ.
فإِذا تثبَّتَّ من مصدرِ العلمِ فلا تتردَّد في اتِّباعهِ والتَّتلمذِ على يدَيهِ، فهوَ الذي سيهديكَ للَّتي هيَ أَقومُ {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} وشعاركَ {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} واحذَر أَن تقولَ يوماً بأَنَّكَ اكتفيتَ من العلمِ فهذا بدايةُ الجهلِ، فالعلمُ مُتجدِّدٌ ولذلكَ فهوَ لا ينتهي عندَ حدِّ ليصلَ إِليهِ أَحدٌ أَبداً {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} وهي الآيةُ التي تحرِّض على طلبِ العلمِ بشكلٍ عجيبٍ منَ المهدِ إِلى اللَّحدِ من دونِ انقطاعٍ.
يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) في وصفٍ رائعٍ لطالبِ العلمِ {كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيه إِلَّا وِعَاءَ الْعِلْمِ فَإِنَّه يَتَّسِعُ بِهِ}.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!