RSS
2026-04-03 15:16:00

ابحث في الموقع

الطلاق أبغض الحلال فاجتنبوه

الطلاق أبغض الحلال فاجتنبوه
بقلم: حسن كاظم الفتال

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) ـ النساء/1

 

بوادر ومساعٍ للإصلاح

إن دلالات وملامح بعض الوقائع والأحداث ومجرياتها حتمت على أن تتقلد بعض المجتمعات بمظاهر اليقظة وتتدرع بأخذ الحيطة والحذر وتتضاعف لديها درجات التقيد وتوقي المثالب وما يترتب من وقع آثارها ومخاطرها. حيث أن بعض المجتمعات تسودها الغفلة ويداهمها السهو وتنشغل وتلهو بوقائع جانبية مما يعرضها للتشتت والتفكك وما يلتحق به وما ينتج من حيث يعلم البعض أو لا يعلم ويؤدي إلى نشوء تباعد وتصدع الوشائج وفصم عرى الروابط الأسرية أو المجتمعية. وهذا ما يشكل خطرًا بالغًا ويستشري مفهوم ومضمون التخلف وربما تتوسع مساحات التردي وتشيع الخطيئة .

مما دعا أن يلفت الأمر عناية المعنيين بالشأن الإجتماعي والمبادرة في إرساء قواعد الإصلاح والشروع في تصحيح أي خلل والإسراع في ردم كل فجوة أو ثغرة ومجابهة بواعث ومؤديات الإنحراف والوقوع في جرف الهلكات ومحاولة تعبيد الطرق المؤدية إلى الصلاح وبناء صرح حضاري يباهي به المجتمع الفاضل المجتمعات الأخرى.

 

وداوها بالتي كانت هي الداء

ثمة سبل ووسائل وعناصر عدة مختلفة الانواع يمكن أن تخلق مجتمعا متأهبًا للتصدي ولمجابهة عواصف التفكك والتفرق وإخماد لهيب جذواتها واستحداث آليات معينة وابتكار حلول كفيلة بالتغيير نحو الأفضل ونحو بناء مجتمع فاضل متماسك سليم معافى من كل الآفات والأوبئة المجتمعية التي تصاب بها بعض المجتمعات من تلك التي يزعم بعضها بالتقدم وهو غاية في التخلف.

ولعل من أخطر الآفات التي تهدد بعض الامم أو المجتمعات أو الأوساط أو الوباء الذي ينخر جسد المجتمع هو شيوع التفكك والتفرق والتشتت وانعدام التماسك وهذا ما يستوجب الإسراع في إيجاد العلاج في اتخاذ وسائل وسبل تمحو آثار ذلك التفكك وما يلحق به ونشر معالم الترابط والإئتلاف الإنسجام بالتحالف والتوادد والتراحم. 

ومن أعظم وأجل وأقدس السياقات والمنهجيات التي توفر هذه المعالجات من تلك التي يدعو لها ويتبعها المصلحون وهي العزم في القيام بمبادرات ومساعٍ لوضع معالجات تُجنب المجتمع وتحميه من الإصابة بتلك الأوبئة والعمل على تقوية الأواصر ومعالجة التفكك والانحلال كل ذلك يتحقق بإيلاء الإهتمام بعملية التزويج إيلاءً تامًا.

( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) ـ الروم /21

إذ إن تطبيق حالة التزويج هو أفضل ركيزة يمكن إرساؤها من قبل المجتمعات المتحضرة لتشييد صرح الإصلاح.

والزواج مشروع إنساني يحقق الرحمة والمودة والعفاف ويحقق التلاحم في النسيج المجتمعي وينقي المجتمع بأسره من المفاسد والانحلال ويبرز به أهم عنصر من عناصر التعاون على البر والتقوى. خصوصا في مجتمعاتنا التي أراد لها رسول الله صلى الله عليه وآله أن يباهي بها الأمم بتكاثرها.

والزواج هو السبيل الأسلم والوسيلة الاسمى التي يتم من خلالها تحصين الشباب وانتشالهم من مهالك الانحراف وكذلك يبلور العقول ويضاعف مراتب تهذيب النفوس ويرسخ قواعد بناء أُسَر فاضلة ترتكز على تحسين الإنجاب بمشروعية وازدياد الأنساب وإنشاء أجيال فاضلة نزيهة زكية في أصولها ومنابعها   

حيث تتلاقى القلوب بالتزويج وتنتعش بالمودة والرحمة ليصبح الطرفان مصدرا واحدا في تكوين أسرة تتوسع بالتدريج لتصبح عدة أفراد بالإنجاب. وبها تزدهر دائرة الرحمة والمودة والتآلف وتتوسع وتحيطها العاطفة ويسود الحب والوئام والتفاهم التام بين الطرفين من أجل مواصلة المسيرة في بناء جيل ينشأ ويترعرع بأجواء إيمانية عقائدية نقية صافية سليمة .

وتتعاقب السنين ويُذَللُ مرورُها الصعاب ويزيلُ العقبات وتتلاشى آثار التوجس من المستقبل المجهول أو لعلها تتضاءل ويعم الخير

الحذر من أبغض الحلال

مما يؤجج لهيب الأسف ويثير الأسى في النفوس إنه يحدث أحيانا أن تنفصم عرى التفاهم ويسبب انفصامها تعكيرا لصفو الأجواء الزوجية بل يكون هادما لصروح السعادة وتَضِيق حلقة الحب والوئام وتبدأ القلوب بالتباعد والتجافي عن بعضها وتتسلل الكراهية رويدا رويدا لتشغل مساحة واسعة .

ويبدأ اللجوء إلى وسيلة صورت بأنها أبغض الحلال عند الله الذي هو الطلاق

فيصبح الافتراق الحل الأمثل لها .

وفعلا يحصل التفريق الذي يمثل الطلاق . ولعل الطلاق في هكذا حالات يكون أنسبَ الحلول وأفضلَها.

ويعرِف فقهاءُ اللغة الطلاق بأنه هو حل الوثاق والإطلاق وهو الإرسال والتّرك ، ويأتي الطّلاق أيضاً بمعنى إزالة القيد إنما هي إزالةٌ تُخَلِف الضرر.

إذن بالطلاق يتحرر الزوجان من القيد الذي ربما يسبب بقاؤه ضررا فادحا يتعذر إصلاحه ( وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ـ البقرة / 227

ويبدأ الإتفاق على فسخ عقد الزواج المقدس وتنفصم عرى رابطة المودة والرحمة.

حين تنفصم عرى التوادد

ولكن ما هي الأسباب التي تؤدي إلى تفكيك سلسلة أقوى وأوثق اقتران لرابطة التآلف والمودة والعاطفة والوئام ليتحول كلُ ذلك إلى كراهية . أو على أقل تقدير تؤدي إلى تذييب الود والحب والحنان ؟

ومن البديهي أن أكبر ما يهدد الأسر بل الشعوب بشكل عام حدوث حالات الطلاق وانتشارها بين المجتمع ومما يؤلم أن نصرح أن مجتمعنا العراقي نال النصيب الأكبر من هذا الحصاد

 وكذلك استخلصت معظم الدراسات حقيقة معينة وهي : إن معظم وقوع حالات الطلاق تحدث في الزيجات الحديثة وتكاد النسب في الزيجات القديمة تتلاشى ولا تساوي شيئا أمام الزيجات الحديثة .

وبعيدا عن لغة الأرقام وتدوين الإحصائيات أقول:

حين يرغب المتابعون والمراقبون للأحداث في أن يسلطوا الأضواء على بعض الحالات قد تبرز ثمة أسئلة غدا طرحها يتزايد بين طبقات المجتمع بمختلف شرائحه وطبقاته وفئاته

فضلا عن الحجج والأعذار والتبريرات التي منها توجسات تحدثها الضائقة الاقتصادية .

ونأيًا عن وجود الفوارق العمرية وتباين عدد سنين العمر بين الزوجين أحيانا.

وإرجاء الحديث عن أحد الأسباب المهمة الذي يتمثل بالتدخلات من خارج الحلقة الزوجية وفي مقدمتها التدخلات العائلية. بعيدا عن كل ذلك ثمة من يدعي بأن من بعض أو ربما أبرز أسباب حدوث حالات الطلاق الميول إلى عولمة الحياة وانتشار عالم الإلكترون وإنشاء مواقع التواصل الإجتماعي التي يفترض أن تكون مدعاة لخدمة الإنسان للتزود الثقافي والتنور العقلي.

والأدهى والأَمَر

وفي جانب آخر نجد من يصر في أن يلقي باللائمة على بعض المؤسسات الدينية أو الحزبية أو التحزبية التي أولت اهتماما بالغا لإنشاء المراكز والمؤسسات النسوية التي لعلها أصبحت لا تعد ولا تحصى .

وأن ظاهرية الهدف من تأسيس هذه المراكز نشر الثقافة والتوعية والإصلاح والدعوات المتكررة والملحة للإلتحاق بها الهدف المعلن والظاهر إنما هذا الزخم من المؤسسات الذي جعل النساء تتسابق للانتماء إليها ويبدو أن الهدف المعلن من تأسيس مثل هذه المؤسسات وتزاحمها كان ظاهره الاصلاح.

إنما لعل الاشتباه في التصور أو سوء إستخدام بعض المعنيين للمنهجية أدى أن تصبح سببا من أسباب التشتت وربما تضاءلت نسبة الصلاح وبدلا من أن تؤسس لتلاقي وتلاقح الافكار وازدياد المنفعة بالتوعية أصبحت سببا من أسباب التشتت.

فضلا عن إنطلاق كم هائل بل عاصفة من الصيحات التي احتشدت بها هذه المرحلة الإستثنائية وهي صيحات مستحدثة يبدو ظاهرها المطالبة بحقوق المرأة والطريف أن هذه الصيحات يتمشدق بها الرجال قبل النساء وأكثر تشددًا وهي بالحقيقة تحمل فحوى ذا وجهين ومصدر الفحوى يلتقي بنوايا لحاجة في نفس صائح قضاها.

الوقاية من العاهات المجتمعية

 ولعل ذلك أدى ان تتزايد المطالبات بحقوق المرأة من قبل المرأة مرة أو حثها على المطالبة بحقوقها بعد أن لاقت دعما ورفدا كبيرا من قبل الرجل لهذه المطالبة بعنوان وملامح عديدة ولعل في مقدمتها ظنا منها باختراق ساحة المجتمع الذكوري .

فقد مهد الأمر هذا للمرأة أن تتحرر من كثير من القيود التي فرضها العقل الجمعي وأن تمتلك الجرأة في تحديد ما تراه مناسبا لعاطفتها وتحاول أن تتحرر من القيود التي فرضتها الشريعة من ناحية والعقل الجمعي والأعراف والعادات من ناحية أخرى مما دعا أن تتعارض مع مفهوم أو مضمون منطوق الآية الكريمة : (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ـ الأحزاب /53

وآيات أخر.

لذا لعلنا نكون على صواب إن أعلنا أن انخفاض نسب الطلاق في المناطق الريفية أو النائية عن المدينة يشير إلى مصداقية هذه الحقيقة، وثمة قسم من الناس اعتاد أن يتعكز على عصا متهالكة أو يضع شماعات ليعلق عليها الأخطاء التي ترتكب من قبل بعض الخطائين فيزعم أن أبرز أسباب الطلاق تعود إلى إقبال الشباب اليافع من مقتبل الأعمار على الزواج والإرتباط غير المدروس فضلا إلى تعرض بعض النساء أو الفتيات إلى ضغوطات إجتماعية بسبب التقاليد والعادات. مما يغيب القناعات ويسبب الندم والسخط على العملية. لذلك يرى أن الطلاق أسلم وسيلة للخلاص من آثار الأخطاء وحسم الأمور بقطع العلاقة الزوجية

وسوف نأتي تباعًا فيما بعد بعضًا من المعالجات التي يمكن أن تحد من توسع حجم هذه الظاهرة المؤسفة.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!