تقول القاعدة "ناقل الكفر ليس بكافر" وخلال زيارتين لايران مرافقا لقافلتي المساعدات الاغاثية الانسانية التي ارسلتها العتبة الحسينية المقدسة الى الشعب الايراني المظلوم كنت شاهدا خلال ايام الحرب على امور تخص ثقافة هذا الشعب وقواعد الحكم فيه ووطنية مواطنيه، وبالمقابل وجدت كثير من الامور موجودة في بلدنا تثقل كاهل المواطن وتؤذي جميع العائلات وتسلب حقوق الناس وترعبهم وترهبهم وتخالف الشرع والقانون وتجعل ارتفاع نسب الفساد الاداري والمالي والاخلاقي والاقتصادي في العراق تصل الى مستويات جعلته في مصاف الدول المتأخرة بين الشعوب وهو مهد الحضارة ومن علم العالم الحرف والكتابة والهندسة والطب والاقتصاد وعلوم كثيرة اخرى.
ففي الزيارة الاولى مررنا عودة وذهابا بخمس مدن هي مهران، وايلام، وكرمنشاه، وهمدان، والعاصمة طهران، وفي العودة زادت عليها ثلاث مدن كون عودتنا كانت من مدينة قم، وابرز ما يشعر به الداخل الى بلد يخوض حرب هي انعدام المظاهر العسكرية بجميع اشكالها فلا جيش منتشر ولا مصفحات او دبابات او سيارات عسكرية تحمل اسلحة ولا جنود او جيش او شرطة او اي صنف امني آخر ينتشر في الطرق او المدن او مراكز المدن وحدودها، ولا يوجد الا مداخل المدن وفيها تواجد لسيارة شرطة واخرى لشرطة المرور وثالثة للهلال الاحمر الايراني، وهذه الصورة تعطي اطمئنانا لاي مسافر غير ايراني يدخل بلادهم وتنتهي عنده هواجس الخوف والقلق، والامر الآخر هو الهدوء وعدم التأثر والعيش بشكل طبيعي الذي كان عليه الشعب الايراني وبحكم الطرق التي سرنا فيها فإننا مررنا بالمدن الزراعية والصناعية والنفطية والسكنية حتى وصلنا الى العاصمة ومركزها وشوارعها وازقتها، وحتى لا اتهم بالمبالغة كان هناك قصف كثير سمعنا اصوات شديدة للقصف واخرى قليلة الشدة وبعضها كان قريبا من خط سيرنا، الا ان الناس لا تبالي تعود لمعيشتها وحياتها، بل وجدنا خلال ذهابنا وعودتنا لمرتين الاف العائلات تخرج الى المناطق المفتوحة وكلها خضراء وتفترش الارض الخضراء وتنصب خيمها وتتنزه بسعادة، لا تهويل ولا شائعات تقلب الاوضاع، بل في جميع المدن استمر الناس طيلة (45) يوما على التظاهر بشكل منظم جدا، ففي كل مدينة اكثر من مكان للتظاهر بوقت محدد ويلتزم الجميع به من الساعة التاسعة ليلا الى الواحدة بعد منتصف الليل، والاعم الاغلب من المتظاهرين الذين دخلنا في اوساطهم واجرينا لقاءات معهم هم من شريحة كبار السن (الشياب والعجائز) وللاطفال في هذه التظاهرات حضورا والعاب وتسالي لان الحضور الى التظاهرات "عائلي" بامتياز.
والاهم من ذلك اننا مررنا في رحلة القافلة الثانية بمدينة ايلام الايرانية وتوقفنا عن مقر الهلال الاحمر الايراني واستقبلنا من مسؤوليها وموظفيها، وجاء مجموعة من الرجال ومنهم شخص يرتدي بدلة (قاط) محلي الصنع ويسير بمفردة بسيارة "سمند" ايرانية الصنع يقودها سائق دون سيارات مصفحة او حمايات تطلق الصافرات او تركل الناس ليبتعدوا ولا سلاح معه، توقف معنا وحاورنا واستمع لنا وشكر الشعب العراقي والمرجعية الدينية والعتبة الحسينية، وبذل جهدا كبيرا ليستضيفنا ويقدم الضيافة لنا، لكن سفرنا كان يوجب عدم التوقف، وفارقنا وهو يعتذر اشد الاعتذار وتبين انه محافظ ايلام "احمد كرمي"، اما في طهران العاصمة فكان محافظ طهران "محمـد صادق معتمديان" حاضرا في توقيع محضر تسلم واستلام القافلة، ولم نعرفه من اول وهلة الا بعد ان عرفنا عليه رئيس جمعية الهلال الاحمر الايراني، شخص بسيط يرتدي بدلة محلية الصنع ويتعامل ببشاشة ولطف، ورغم التزامه باجتماع مهم توقف معنا ليعطينا تصريحا صحفيا حتى انتهينا من اسئلتنا والمفاجأة عندما صافحنا وغادر استقل سيارة نوع "بيجو" ايرانية الصنع مع السائق فقط، ورغم ان اكثر القصف في العاصمة طهران، واستهدف فيه الكثير من المسؤولين الايرانيين الا انه لم ترافقه اي حماية او اسلحة او مجموعة من الاشخاص يبعدون الناس عنه، وقد تكون تلك الامور غريبة علينا نحن العراقيون الذين تعودنا على مواكب المسؤولين وحداثة انواع السيارات المدرعة التي يستقلونها والحشود من الحمايات واسلحتهم التي يحملونها، لكن اغرب ما وجدناه ونحن نسمع في الاخبار ان الطماطة صار سعرها في العراق (3000) دينار وجدناها في كل المدن التي مررنا في ايران بـ(250) دينار عراقي، وعند سؤالنا عن اسعار بعض المواد الغذائية مثل السكر والزيت والرز والمعجون وبيض المائدة والدجاج، وجدنا اسعارها اقل مما موجود في بلدن العراق، فكان التساؤل يطرح كثيرا "من الذي يخوض الحرب العراق ام ايران".
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!