RSS
2026-04-22 14:34:50

ابحث في الموقع

أخلاقيات الأقلام الوطنية

أخلاقيات الأقلام الوطنية
بقلم: حيدر عاشور

رغم فوضى السياسة، وعشوائية الحياة الاجتماعية، وغلاء الأسواق المحلية، واستهتار العجلات الفارهة في الطرقات، مع تكاثر المطاعم والحلاقين والصيدليات؛ بات العقل في حيرة، ووضحت الفكرة في مهب الحيرة كأنها في مغارة عميقة، مما يجعل من الصعب على صاحب العقل والفكر قول الحق وسط هذا التيه، وأما من هم مستفيدون من الباطل، فقد صار كلُّ ما حولهم يبعث على الانشراح، فتأنس له العين ويطمئن به القلب وأنت متأكد بيقين أنه ذو وجهين أو وجوه لا تُعد ولا تُحصى. وفيما يخصُّ الوطنية وأقلامها المتنوعة دعاني أحدهم للاستماع إليه لدقائق معدودات، لينصحني بالكتابة عن ظاهرة يعيشها الكثيرون منا؛ كان حديثه مزيجاً من الدعابة واللطف والمجاملة الصادقة، تخللته زفرات أسفٍ على من لا يحترم زملاءه في بيئة العمل، أو من يصرُّ على احتكار المعرفة والتميز فيها. وهناك من يحاول دفعك للتخلي عن مبادئك وقيمك؛ في حين أن العاقل هو من ينتقي ما يوافق فكره، ويسير على نهج من خطّوا طرائق عيشٍ قويمة تضمن السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة.

قضيتُ معه دقائق غنيّةً، أستمعُ إلى كلماته الصادقة التي لا تزال تتردّد في أذني حول ضرورة كتابة مقالٍ يوعّي أصحاب العُقد النفسية. انشغلتُ لعدّة أيام بحديثه، أفكّر في صياغة مادّة تتماشى مع الواقع وتكون قابلة للنشر والقراءة؛ فشرعتُ في البحث عن زوايا مبتكرة، وعن محاورين يتميّز حديثهم بالعمق والإقناع، مما يجعلك تقتنع بصحّة آرائهم وتطمئنّ لما يطرحونه من أفكار.

استرجعت ذكريات بداياتي في الكتابة، حين كان العمل يتطلب ثباتاً ومهنية عالية للنجاح وسط كفاءات وإمكانات فنية محدودة، لكنها كانت فعّالة في تذليل العقبات؛ مما مكّن الأقلام الواعدة من الوصول إلى مكانتها الحالية. وهي اليوم تنافس بصبرٍ أقلاماً متفلتة تفتقر إلى الهدف، أو المركزية، أو الانتماء المهني؛ أقلاماً تشكّلت من العشوائية، وتلاعبت بجهود المهنيين، مستغلةً بعض الإدارات غير النزيهة التي انحرفت عن جادة الصواب، حتى غدت غارقة في مستنقع الكتابة التجارية.

وعلى الرغم من قدرة البعض على التوجيه التوعوي، إلا أنهم لا يوجهون القارئ الوجهة السليمة؛ إذ ارتبطت بعض الأقلام باتجاهات فكرية أو أدبية أو سياسية محددة، مما جعل القارئ في حيرة وأحدث تشويشاً في توجهاته. يتفق الجميع على أن الأقلام الوطنية بمختلف مشاربها هي واجهة العراق بشقيها الرسمي وغير الرسمي، بل هي مرآته الاجتماعية الموجهة. فالأقلام الوطنية كالحياة في الجسد، تتألف من خلايا لكل منها وظيفة وواجب، وتجتمع جميعها على هدف واحد يتمثل في خدمة الوطن والإنسان ككيان موحد.

الأقلام الوطنية بمنزلة الآباء؛ تُوجِّه ولا تُقيِّد، فدورها يكمن في بناء الحصانة الأخلاقية والركيزة التربوية لتقويم المنحرفين والمغرر بهم ممن تأثروا بالغزو الفكري الذي يروّج للانفلات الأخلاقي تحت مسميات الحرية والديمقراطية. نحتاج إلى أقلامٍ مسؤولة ومتطورة تُعلي من شأن الأخلاقيات الدينية الأصيلة والتقاليد الاجتماعية التي أوشكت على الاندثار، وتُحيي روح الوطنية في نفوس الأفراد؛ فالتضحية دون قدرة لا تكفي، والمراقبة الذاتية خيرٌ من التقييد والإكراه.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!