RSS
2026-08-12 08:23:50

ابحث في الموقع

إتاوة قدرها 2800 دولار.. ما الذي حدث لبلابل العراق؟ وأين اختفت؟

إتاوة قدرها 2800 دولار.. ما الذي حدث لبلابل العراق؟ وأين اختفت؟
في كتب القراءة المدرسية العراقية، كان طائر البلبل يمر بين صفحات الأطفال الأولى، بدءا من المرحلة الابتدائية، تغنى المنهج العراقي بقصائد وحكايات عن البلابل، كان تلاميذ الصف الثاني يرددون قصيدة الشاعر باقر سماكة الحلي: "البلبل الفتان يطير في البستان"، وبعد سنوات ينتقلون إلى قصيدة منسوبة إلى الأصمعي "صوتُ صفيرِ البلبلِ .. هيّجَ قلبي الثملِ". لكن ذلك الصوت الذي حفظته أجيال عراقية في الكتب، بات أقل حضورا في واقع الحدائق والبساتين. وفي بغداد، حيث كان تغريد البلابل جزءا من المشهد اليومي في البيوت والمناطق الخضراء، أصبح العثور عليها أصعب.

قصص مقترحة

في قلب بغداد، يبدو سوق الغزل كأنه عالم آخر، أقفاص متراصة، ألوان الطيور تتداخل خلف الأسلاك، وأصواتها تتصاعد في فضاء السوق المكتظ. بين العصافير والحمام تظهر البلابل، يتوقف المشترون عند تغريدها الذي يحتل مكانته لدى الذاكرة العراقية.

يقول محمد لفتة -بائع طيور في سوق الغزل وسط بغداد- إن حضور البلابل في بغداد أصبح محدودا بفعل تراجع المساحات الخضراء والتوسع العمراني، إلا أنها لا تزال موجودة في المناطق الزراعية، لكن عمليات الصيد تستهدف في الغالب الفراخ الصغيرة، وهو ما يفاقم تراجع أعدادها.

ويصف لفتة البلبل العراقي بأنه من أفضل أنواع البلابل، لتميز شكله، إذ يملك خدا أبيض ورأسا أسود، فضلا عن صوته وتغريده المميز.

الطيور لم تسلم من الفساد

رحلة البلبل بين المدن العراقية لا تخلو من عوائق أخرى، إذ لم تسلم حتى الطيور من آفة الفساد، فبينما تُنقل من البساتين إلى الأسواق، تتحول الحواجز الأمنية إلى محطة أخرى يدفع عندها التجار المال، أو يخاطرون بمصادرة طيورهم، بحسب ما كشفه علي أحد تجار بيع الطيور في سوق الغزل.

يقول علي إن نقل البلابل يواجه عراقيل، إذ يُطلب من التجار دفع مبالغ تصل إلى 4 ملايين دينار عراقي (نحو 2800 دولار) أو تكون الطيور عرضة للمصادرة.

ويشير إلى أن غالبية البلابل المعروضة في السوق من النوع الإيراني، تُجلب من المناطق الحدودية؛ بسبب أصواتها العالية وقلة تكلفتها مقارنة بالبلبل العراقي، إذ تبدأ أسعاره من 10 آلاف دينار عراقي (نحو 8 دولارات) وتصل إلى 800 ألف دينار عراقي (نحو 550 دولارا)، وقد تدخل بعض الأنواع في مزادات بسبب تنوع طبقات تغريدها وقدرتها على التدريب على النطق.

ويأتي موسم تكاثر البلابل في فصل الصيف، بالتزامن مع موسم إنتاج التمور، وقد يفرّخ البلبل مرتين في الموسم الواحد، في حين يتغذى على الفواكه والمحاصيل الموسمية، ومنها التمر والنبق والتين وغيرها.

بلبل مندلي الأعذب شدوا

في قضاء مندلي شرقي محافظة ديالى عند الحدود العراقية الإيرانية، جنة الرمان والبرتقال العراقية، ما زالت البلدة تحتفظ بموطن البلابل الأعذب والأشهر شدوا.

يقول حسن القيسي -صاحب محل لبيع الطيور في ديالى- إن بلبل مندلي يتميز بعذوبة تغريده وتعدد طبقاته الصوتية، إذ يستطيع بعضه ترديد كلمات وأصوات مثل "تك حلو" و"شدة ورد" و"ورد ورد" و"بطيخ بطيخ حلو"، فضلا عن كبر حجمه وخشونة صوته.

ويشير إلى أن البلابل في بساتين ديالى تراجعت أعدادها، مما جعلها أكثر ندرة وارتفاعا في الأسعار، حتى بات بعضها يباع بالدولار، ويُرسل هدايا ثمينة إلى خارج العراق، لا سيما دول الخليج.


مواطن التغريد

ولا تقتصر مواطن البلابل العراقية على ديالى، فامتداد البساتين والمزارع في مناطق من بابل وواسط جنوب بغداد، وفر لها بيئات مناسبة للعيش والتكاثر.

وهناك، حيث تتجاور أشجار النخيل والحمضيات والتوت مع الجداول والبساتين، يجد البلبل ما يحتاج إليه من الغذاء والماء ومواقع التعشيش، لكن انحسار هذه البيئات يضغط على الطائر الذي اعتاد أن يجعل من الأشجار بيتا ومسرحا لتغريده.

أسباب تراجع البلابل

ويربط الخبير البيئي وعضو مرصد العراق الأخضر عمر عبد اللطيف تراجع أعداد البلابل المغردة في العراق بفقدان بيئتها الطبيعية وتدهورها نتيجة قطع الأشجار والبساتين، وتجفيف الأهوار والمستنقعات، والتصحر وتملح التربة والتمدد العمراني، بعدما كانت أشجار النخيل والحمضيات والتوت تشكل بيئتها الأساسية ومصادر تغذيتها.

ويلفت -في حديثه إلى أن الصيد الجائر والاتجار غير الشرعي بها، واستخدام المبيدات الحشرية، وتراجع أعداد الحشرات التي تتغذى عليها، أسهم أيضا في انخفاض أعدادها بشكل كبير.

ولا يتوقف الأمر عند البيئة الطبيعية، إذ يشير عبد اللطيف إلى أن الضوضاء وأضواء المدن، لا سيما في بغداد، تؤثر في قدرة البلابل على التواصل والتكاثر، في حين تؤدي موجات الحر الناتجة عن التغير المناخي إلى نفوق الفراخ وتغيير مواعيد الهجرة وتوفر الغذاء.

وهكذا، لا يبدو اختفاء البلبل من بعض أحياء بغداد مجرد غياب لطائر على شرفات منازلها ونوافذها، بل نتيجة سلسلة طويلة تبدأ من شجرة تُقطع، وماء يجف، وبستان يتحول إلى بناء، وتنتهي بقفص في سوق الغزل.

البلبل في ذاكرة العرب

واحتل البلبل مكانة قديمة في التراث العربي. ففي كتاب الحيوان، تناول الجاحظ البلبل ضمن حديثه عن الطيور وأصواتها، وأشار إلى قدرته على محاكاة الأصوات والتعلم منها، بل يذكر أنه رأى من يعلّم البلابل بمطارحتها أصواتا من جنس أصواتها.

المصدر: الجزيرة

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!