بسم الله الرحمن الرحيم
(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ) ـ آل عمران / 144
جبر الله وهنكم وأحسن عزاءكم، ورحم متوفاكم. أعظم الله أجورنا وأجوركم بمصاب سيد البشرية ومنقذها من الظلم والظلامة والظلام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بيوم استشهاده الأليم الحزين.
قطرٌ من غيثِ التعازي
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما منا إلا مقتولٌ أو مسموم
وسئل صلى الله عليه وآله من أشد الناس بلاء في الدنيا ؟ فقال صلى الله عليه وآله : النبيون ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلي المؤمن بعد على قَدْر إيمانه وحسن أعماله فمن صح إيمانه وحسن عمله اشتد بلاؤه ومن سَخُف إيمانه وضعف عمله قل بلاؤه.
وجاء عن أبي عبد الله الصادق صلوات الله عليه قال: إن عظيم الاجر لمع عظيم البلاء وما أحب الله قوما إلا ابتلاهم.
أما رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول : ما أوذي نبي مثل ما أوذيت.
لماذا أوذي النبي صلى الله عليه واله؟. وكيف تم ذلك؟
لقد تعرض الكثير من الأنبياء إلى الأذى الجسدي بما فاق على الأذى المعنوي . ألقي إبراهيم الخليل عليه السلام في النار وإن صارت بردا وسلاما .وقتل يحيى على نبينا وآله وعليه السلام ومُثِل به ونشر بالمناشير كما تذكر بعض الروايات وكيف أن بني إسرائيل كانوا يقتلون الأنبياء والآية الكريمة تقول: (كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) ـ البقرة/ 61
أما نبينا الكريم النبي محمد صلى الله عليه وآله فإنه أوذي إيذاءً جسديا أصابه به قومه من جروح في بعض الغزوات وكسر ترقوته الشريفة وغير ذلك إنما ما آلمه وترك الاثر العميق فيه هو الإيذاء المعنوي. إذ هو جاء يحمل رسالة سماوية رحيمة رؤوفة بالناس (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) ـ التوبة /128
وهل إلا الوحيُ معلمه
ترشد رسالته ودعوته الإنسان إلى إنسانيته ورشده وكرامته جاء وهو يحمل في بواطن ضميره وعمق صدره الطاهر النقي الشريف العطف والحنان والرأفة لتخليص الناس من العبوديات بكل أشكالها وأنماطها . عنوان رسالته الهداية للتي هي أقوم. ومرتكزاتها وقواعدها وقوائمها المثل السامية والمبادئ الإنسانية والقيم الحقة ومكارم الأخلاق . إنما برز من يضع العقبات في طريقه بكل ما أؤتي من قوة ومقدرة وجُوبِه صلى الله عليه وآله ليس بالرفض فحسب إنما بالتكذيب والتنكيل وبث الإشاعات والأقاويل والترويج لها وتسويقها بين الناس ولعل ذلك كان من أشد أنواع الأذى المعنوي . يصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ـ النجم/ 3ـ4 لكن حتى التي تعاصره وتعلم بنزول الوحي عليه حين يصرح بأمر تسأله من أنبأك بذلك يا محمد؟ وينبغي أن تكون عارفة بأنه يعلم علم اليقين بما جرى وما هو جارٍ وما سيجري قبل وقوعه ؟
يحيط به المنافقون ويحيكون الدسائس. حتى تنزل بهم سورة كاملة.
أعرابي جلف يقف بمنتهى وقاحة يصرخ بوجهه صلى الله عليه واله قائلا: اعدل يا محمد. فيقول صلى ألله عليه واله إذا أنا لم أعدل فمن يعدل.
وقد استخدمت كل الوسائل والطرق إعلامية علنية سرية باطنا وظاهرا فمرة تكون بعرض المغريات عليه أو على الآخرين لمقاطعته والإبتعاد عنه ولإعلان العداوة ضده وتارة بممارسة مختلف أنواع الضغوطات النفسية والإقتصادية والتجارية حتى بلغ الأمر إلى الإتهام بالجنون والعياذ بالله . (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ) ـ التكوير /22 ( وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) القلم
( وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) ـ الحجر / 6
أيجازى العطوف الرؤوف بالجحود؟
كل ذلك كان يجري سعيا بغية أن يتخلى عن جزء من مبادئه الإنسانية وقيمه التي انفرد بها.
فضلا عن المواقف المعادية له ولآل بيته الكرام صلوات الله عليهم.
وهو العالم علم اليقين بما سيجري على أهل بيته من بعده بمجرد ما ستغمض عينه.
يبكي ويسأله أمير المؤمنين صلى الله عليهما والهما. ما يبكيك يا رسول الله؟ فيقول أبكي على ما سيجري عليك.
ألم يعلم علم اليقين بما سيقع على سبطه وريحانته وروحه التي بين جنبيه حبيبه الإمام الحسين عليه السلام؟ وقد أخبره بذلك جبرئيل عليه السلام وبما ستصنعه به أمته. بل أراه البقعة التي يصرع فيها وسلمه قبضة من ترابها. وأعلمه بأنه سيقتل وتقطع أشلاؤه ويدار برأسه الشريف ويٌهدى به من بلد إلى بلد
وإن مثل هذه الممارسات والضغوطات والإغراءات تسبب أشد أذى لصاحب الرسالة الإنسانية وحامل المبادئ والقيم والدعوة لتحرير الإنسان. كان الهدف من إبداء هذه المساعي والمحاولات من كل طرف وبكل الأنماط والأشكال لتحجبه عن تحقيق أهدافه الإنسانية السامية وتصده عن مواصلة مسيرته في نشر الدعوة الإسلامية.
أن ما جرى على الأنبياء لعله استغرق وقتا طويلا لكن لم يكن له ذلك الأثر والهول أو الخَطب العظيم انما السنين الثلاث والعشرون فاقت وضاعفت ما حصل بعشرات أو مئات السنين التي أصيب بها بعض الأنبياء عليهم السلام.
ربما لا يقاس الأذى أحيانا بطول الوقت أو عين الحدث أو نوعه بل بمدى إنعكاس أثره ووقعه على النفس وشموليته.
الأذى المعنوي يفوق الأذى الجسماني
المعروف أن الأمم والمجتمعات تحترم وتكرم وتعظم كبارها ووجهاءها وعظماءها. وتحترم وتكرم ذرياتهم احتراما وتكريما لهم.
ترى هل يوجد في الكون كله شخص أكرم وأفضل وأسمى أو بمستوى مقام رسول الله صلى الله عليه واله؟ هل بوسع أحد أن يضع مقارنة سهلة ويسيرة بين الأذى الجسدي والاذى المعنوي؟
من الممكن أو اليسير لأن يعالج الأذى الجسدي ويمحى أثره على مرور الأيام مهما كان بليغا. إنما يبقى الأذى المعنوي أحيانا يعيش مع الإنسان ما يحيا.
رسول ألله صلى الله عليه واله. رسول الإنسانية المبعوث رحمة للعالمين. ينادي أمتي أمتي. حتى يوم الحساب حين يتخلى الكل عن الكل هو وحده ينادي أمتي أمتي ساعة ينادي الآخرون وا روحاه.
وهو القائل صلى الله عليه وآله : إِنِّي فَرَطُكُم عَلَى الحَوضِ مَن مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ, وَمَن شَرِبَ لَم يَظمَأ أَبَدًا, لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقوَامٌ أَعرِفُهُم وَيَعرِفُونِي, ثُمَّ يُحَالُ بَينِي وَبَينَهُم, فَأَقُولُ: إِنَّهُم مِنِّي, فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدرِي مَا أَحدَثُوا بَعدَكَ, فَأَقُولُ: سُحقًا, سُحقًا, لِمَن غَيَّرَ بَعدِي . لذا يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام: إذا قبض الله رسوله صلى الله عليه وآله رجع قوم على الأعقاب، وغالتهم السبل، وكان صلى الله عليه وآله أشد صلابة من الجبال الراسيات وكلما زاد حجم هذا الأذى ازداد حجم الصبر والجلد والعزيمة والإصرار عنده صلى الله عليه وآله. بل وازداد شفقة ورحمة للناس وأذاب كل ذلك بعظمة ورفعة خُلُقه الكريم حتى قال له رب العزة والجلالة ( وإنك لعلى خلقٍ عظيم ) حتى أحبط كل عمل وجهدٍ جاءوا به وأباد كل غاياتهم وافشل كل مخططاتهم.
واحتوى صدره الشريف ثقل القرآن الذي وصفه تبارك وتعالى :( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) ـ الحشر/21
حتى رسخ في العقول معالم الدين وغرس بذراته ووثق أبعاده ومعطياته ومبادئ القرآن الكريم ومضامينه ومدلولاته وعلم الناس ما لم يتعلموا من قبل وأرشدهم إلى سبيل الاستقامة والثبات على المبادئ
وقف ليلقي الحجة على الناس ويعرفهم على حجة الله في أرضه وسماواته وأعلن عن عظمة منزلته ومقامه عند الله ومراتبه التي رتبه الله فيها .
ويُذَكِّر الناس بقول الله تعالى :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ) ـ الأحزاب /36).
أبوان يبيحان للناس النعيم الدائم
وفي مواطن وموارد جمة أعلن صلى الله عليه قائلا: ما من مؤمن إلاّ وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة وثم يقول صلى الله عليه وآله (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين).
ويردف قوله الشريف بقول آخر ليلحق ويشرك معه صنوه وأخاه وخليفته وحامل لوائه عليا أمير المؤمنين صلى الله عليهما وآلهما فيقول: يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة.
وتذكرنا بضعته الصديقة الكبرى الطاهرة فاطمة عليها السلام حين تقول : أبوا هذه، الامة محمد وعلي، يقيمان أودهم وينقذانهم من العذاب الدائم إن أطاعوهما، ويبيحانهم النعيم الدائم إن وافقوهما.
وأما الحسن بن على عليهما السلام قال: محمد وعلي صلى الله عليهما وآلهما أبوا هذه الامة، فطوبى لمن كان بحقهما عارفا، ولهما في كل أحواله مطيعا، يجعله الله من أفضل سكان جنانه ويسعده بكراماته ورضوانه.
رحمة مبعوثة لمن في الشرق ومن في الغرب
لقد جاء صلى الله عليه وآله وهو يحمل في كلتا يديه الشريفتين الخير والصلاح والفلاح والبركة والسعادة التامة للبشرية وكل ذلك تمثل بالقرآن الكريم الذي شع بالنور وسحر البيان . وأشار القرآن الكريم نفسه إلى ذلك بقوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وهذه الإشارة صورة جلية ناصعة تعكس بإشراقها نتيجة . وهي : أن كل من في المشرق ومن في المغرب بل في كل العوالم سينتفع بنور الرسول الكريم صلى الله عليه وآله. إلا أولئك الجاحدون المنكرون لفضائل النبي الكريم صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار صلوات الله وسلامه عليه أجمعين. وأعداؤهم مارقون طبع الله على قلوبهم واختاروا طريق الإنحراف والإبتعاد عن الرحمة الإلهية: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم) – محمد/16
وبدأ النبي صلى الله عليه وآله يضئ البصائر والعقول والقلوب والضمائر كما تضيء الكواكب بإشعاعاتها الأفاق في جوف الليل الحالك المظلم.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!