RSS
2026-08-12 14:50:11

ابحث في الموقع

الديون الداخلية تستنزف سيولة مصارف العراق

الديون الداخلية تستنزف سيولة مصارف العراق
تجاوزت الديون الداخلية الحكومية المستحقة لعدد من مصارف العراق خلال السنوات الماضية الحدود المسموح بها، وفق بيانات مصرفية وخبراء مال، بعد توسع الدولة في الاعتماد على التمويل المصرفي لتغطية الرواتب والنفقات العامة، فيما يعيد توجه مجلس النواب نحو تشريع قانون يتيح زيادة الاقتراض الخارجي إلى الواجهة المخاوف بشأن تضخم الالتزامات الحكومية وانعكاساتها على القطاع المصرفي.

وتشير الأرقام المتاحة إلى حصول الحكومة على أكثر من 36 تريليون دينار من عدد من المصارف الحكومية، فيما لم يعلن حتى الآن حجم المبالغ التي سُدِّدَت أو المتبقية بذمتها، بالتزامن مع تجاوز إجمالي الدين الداخلي 100 تريليون دينار.

ويأتي بحث مجلس النواب لقانون الاقتراض والمنح والإعانات لعام 2026 في ظل غياب الموازنة واستمرار الضغوط المالية، ما يفتح ملف قدرة المصارف على تحمّل تمويل حكومي إضافي، وتأثير الديون السابقة في سيولتها وقدرتها على الإقراض، فضلاً عن مخاطر التوسع في الاقتراض الخارجي لمعالجة فجوة التمويل.

ارتفاع الدين الداخلي

قال المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، إن توسع الاقتراض الداخلي خلال السنوات الماضية جاء نتيجة اتساع الفجوة بين الإيرادات العامة والإنفاق، واضطرار الدولة إلى تأمين النفقات الأساسية، وفي مقدمتها الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية، وهو ما رفع حجم الدين الداخلي إلى أكثر من 100 تريليون دينار، وجعل الجهاز المصرفي أحد المصادر الرئيسية لتمويل احتياجات الخزينة.

وأضاف صالح، أنّ الاعتماد المتزايد على التمويل الداخلي يفرض ضرورة مراعاة قدرة المصارف والسيولة المحلية على استيعاب الدين الحكومي، لأنّ التوسع في الاقتراض يجب ألا يأتي على حساب الوظيفة الأساسية للقطاع المصرفي في تمويل النشاط الاقتصادي والاستثمار والقطاع الخاص، وهو ما يتطلب إدارة متوازنة للدين العام وتحديد الاحتياجات التمويلية.

وأوضح أن الوضع المالي يواجه تحدياً إضافياً في ظل عدم إقرار الموازنة الاتحادية واستمرار الالتزامات الشهرية للدولة التي تستهلك نحو 8 تريليونات دينار شهرياً، الأمر الذي يجعل توفير مصادر التمويل والمحافظة على استقرار السيولة في الوقت نفسه، من أبرز تحديات السياسة المالية.

من جانبه، كشف عضو مجلس النواب العراقي منصور البعيجي، أن المجلس يدرس، بالتنسيق مع الحكومة، تشريع قانون الاقتراض لتغطية موازنة العام القادم، بما يتيح للحكومة اللجوء إلى الاقتراض الخارجي لتأمين جزء من النفقات والالتزامات المالية، في ظل الضغوط التي تواجهها المالية العامة وانعكاس الأزمة على مختلف قطاعات الدولة.

وأوضح البعيجي، أن التوجه نحو فتح باب الاقتراض الخارجي يأتي بعد التوسع الكبير في الاقتراض الداخلي خلال السنوات الماضية، وما ترتب عليه من ضغوط على السيولة المتاحة داخل الجهاز المصرفي، ولا سيما المصارف الحكومية التي تحملت الجزء الأكبر من تمويل احتياجات الدولة.

وأشار إلى أن غياب الموازنة الاتحادية لعام 2026، مقابل استمرار الالتزامات المتعلقة بالرواتب والنفقات التشغيلية وتمويل مؤسسات الدولة، دفع إلى البحث عن مصادر تمويل إضافية، ومن بينها الاقتراض الخارجي، لتوفير غطاء مالي يسمح للحكومة بمواجهة النفقات الضرورية وتخفيف الضغط على السيولة المحلية.

وحسب البعيجي، فإن الاقتراض الخارجي المطروح لا يمثل حلاً للأزمة المالية بحد ذاته، بل أحد الخيارات المؤقتة لتوفير التمويل، ما يستوجب تحديد سقوف واضحة للاقتراض الداخلي والخارجي ومراجعة الالتزامات القائمة تجاه المصارف وآليات تسويتها، إلى جانب تشديد الرقابة على أوجه استخدام القروض الجديدة، لمنع تراكم أعباء مالية إضافية على الدولة.

الاقتراض يفاقم الضغوط

الخبير الاقتصادي ضياء المحسن، قال إن حجم الاقتراض الحكومي من بعض المصارف تجاوز الحدود المسموح بها قياساً بحجم سيولتها وقدرتها التمويلية، الأمر الذي رفع انكشافها على الدين الحكومي وقلص المساحة المتاحة أمامها لتوجيه الائتمان إلى القطاعات الاقتصادية الأخرى.

وأشار المحسن، إلى أن الأرقام تتحدث عن نحو 20 تريليون دينار من مصرف الرافدين، وما بين 7 و8 تريليونات من مصرف الرشيد، فضلاً عن نحو 7 مليارات دولار من المصرف العراقي للتجارة، ومبالغ أخرى من المصرفين، الصناعي والزراعي، ما يرفع المبالغ المعروفة إلى أكثر من 36 تريليون دينار.

وأضاف المحسن أن السبب الرئيسي وراء هذا التوسع كان حاجة الدولة إلى تمويل العجز وتأمين الرواتب والنفقات العامة في ظل عدم كفاية الإيرادات، إلا أن استمرار الاقتراض أدى إلى زيادة انكشافها على الدين السيادي، بالتزامن مع ارتفاع الدين الداخلي، وهو ما يقلص قدرة السوق المحلية والجهاز المصرفي على استيعاب اقتراض حكومي إضافي من دون آثار على السيولة والائتمان. وأوضح أن معالجة نقص التمويل الداخلي بالانتقال غير المدروس إلى الاقتراض الخارجي قد تنقل المشكلة من ضغط على السيولة المحلية إلى التزامات بالعملة الأجنبية وخدمة دين وفوائد تستنزف جزءاً من الإيرادات العامة مستقبلاً، خصوصاً إذا استخدمت القروض الخارجية لتمويل الرواتب والنفقات التشغيلية بدلاً من المشاريع الاستثمارية المنتجة.

وأكد المحسن أن معالجة المخاطر تبدأ بوضع سقف واضح للاقتراض الداخلي يمنع استنزاف سيولة المصارف، وجدولة مستحقاتها على الحكومة وإعادتها تدريجياً، وحصر أي اقتراض جديد بالحاجة الفعلية.



المصدر: العربي الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!