RSS
2026-08-24 10:53:43

ابحث في الموقع

"التحرش" .. بين الازمة الاخلاقية والتجييش الرقمي

"التحرش" .. بين الازمة الاخلاقية والتجييش الرقمي
بقلم:علاء السلامي

اتذكر جيدا عندما كنت طالبا في كلية الاداب والحديث مع احدى الطابات التي استهجنت وقتها الانظار أليها خلال زيارتها احدى المدن المحافظة في سفرة جامعية ، وسالتها مستغربا هل لبست العباءة ، قالت بتكبر "لا ..اكيد" فقلت لها انك حالة غريبة جدا على مجتمع محافظ ، لذا كانت العيون ترمقك في كل مكان ..هذا الامر استحضرني عندما اتابع على السوشيال ميديا بين الحين والاخر بعض الفديوهات التي تصور "التحرش" الذي للاسف تحول من حالات فردية مستهجنة ، هنا وهناك ، الى ظاهرة سلبية وقضية سلوكية مقرفة باتت تؤرق المجتمعات ليس المجتمع العراقي فحسب ، على ان اغلب اصحاب تلك الفديوهات تستهجن طرفا معينا وتترك الطرف الاخر الذي ربما يكون سببا في تلك الظاهرة او الحالة ، ولست هنا بصدد تبرئة ساحة المعتدي او ايجاد عذر لسلوك مرفوض دينيا وقانونيا واجتماعيا ، فالتحرش جريمة اخلاقية يتحمل مرتكبها كامل المسؤولية عن فعله الدنيء دون قيد أو شرط ، بيد ان القراءة المنصفة للظاهرة تستدعي التوقف امام اسبابها الشاملة وتداعياتها .

ان المعالجة الجادة لهذه الظاهرة المرفوضة لا يمكن ان تتجاهل طبيعة البناء الأخلاقي والاجتماعي الذي يستند إليه المجتمع، اذ يبدا الحل الحقيقي من فهم العوامل التي ادت الى خرق السكينة العامة والتعدي على حرمات الافراد، كون المنظومة القيمية التي تعارفت عليها مجتمعاتنا عبر العقود، والمعززة بالتعاليم الدينية الرصينة، شكلت دوما درعا حاميا للفرد والجماعة ، وتتجسد هذه المنظومة في الالتزام بقواعد الاحترام المتبادل، والتمسك بالاحتشام والسلوك القويم الذي يشمل كافة أفراد المجتمع دون استثناء، وفي المقابل، فان التراجع عن هذه الضوابط والاندفاع نحو مظاهر الاستعراض المبتذل واللبس الفاضح يؤدي بطبيعة الحال إلى ضعف المصدات الاخلاقية داخل الفضاء العام، مما يفتح الباب امام سلوكيات منحرفة تتجاوز حدود الادب والضوابط العامة.

على ان هذا الامر لم يتوقف عند حدود السلوك الفردي في الشارع، بل امتد الى الفضاء الرقمي الذي بات منصة لاعادة رسم المفاهيم وتوجيه الراي العام ، فالكثير من الحوادث يتم تداولها وتكثيف النشر حولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ليس بدافع المعالجة او الإصلاح، بل لتكريس انطباعات معينة تخدم شعارات براقة تتستر خلف الحرية المطلقة، وتعمل هذه الطروحات على تصوير التخلي عن الاعراف والتعاليم الدينية وكانه انجاز فكري او حق فردي، مما يساهم في تفكيك البنية الاجتماعية واشاعة الفوضى السلوكية بين الشباب من الجنسين ..

ان اعادة صيانة المجتمع سيحيمه حتما من الانزلاق نحو هذه الافات والتي تتطلب منا مراجعة شجاعة للخطاب الثقافي والاعلامي ، والتاكيد المستمر على ان الحرية الحقيقية تنتهي عندما تبدأ حدود القيم والأعراف الحاكمة ، ولن يترسخ الامان والاستقرار المجتمعي الا بالعودة إلى التوازن الأصيل، وتحمل الجميع مسؤوليتهم في حفظ الانضباط العام وحماية الهوية الاخلاقية والدينية من دعوات التفلت والضياع.


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!