RSS
2026-09-27 11:57:28

ابحث في الموقع

مواطنون بلا ولاء.. الوثائق السيادية في مواسم الانتخابات

مواطنون بلا ولاء.. الوثائق السيادية في مواسم الانتخابات
بقلم: د. أحمد فاتح محمد

ليس من الترف الفكري ولا من قبيل السجال السياسي العابر أن نقف اليوم عند مفهوم المواطنة في العراق، تلك الرابطة القانونية والروحية المقدسة التي تجمع الفرد بأرضه ودولته بموجب العقد الاجتماعي والدستوري. إن ما يثير القلق والارتياب في الأوساط القانونية والوطنية الحريصة، هو رصد تلك التحركات المكتومة التي تجري خلف كواليس القرار الإداري والتنفيذي، والتي تسعى جاهدة لتحويل الجنسية العراقية والجواز العراقي من وثائق سيادية كبرى تعبر عن هيبة الدولة، إلى سلع وأوراق مساومة تعرض في بورصة التنافس الانتخابي الضيق والمحاصصة الحزبية.

إن العبث بالهوية الوطنية تحت أي ذريعة أو غطاء يمثل تهديداً مباشرًا للأمن الاجتماعي، وزعزعة لأسس التجربة الديمقراطية الناشئة التي دفع الشعب العراقي ثمنها تضحيات جساماً.

من المنظور القضائي والدستوري يبرز قانون الجنسية العراقية كحصن تشريعي صمم أساساً لحماية الهوية الوطنية وتنظيم شروط الانتماء للدولة عقب عقود من التعسف والتهجير القسري ضد مكونات أصيلة. ولم يكن هذا القانون في نية المشرع أو فلسفته أداة تستغل لتمرير صفقات تجنيس مشبوهة أو منح إقامات عشوائية لجهات عابرة للحدود، بهدف تخليق أغلبيات تصويتية مصطنعة تعوض بها بعض القوى الحركية تراجع حاضنتها الشعبية وانحسار مقبوليتها في الشارع.

إن المادة السادسة من الدستور العراقي النافذ التي نصت بشكل قاطع على التداول السلمي للسلطة عبر الوسائل الديمقراطية، تفترض بالضرورة سلامة ونزاهة الدعامة البشرية التي تقوم عليها هذه الديمقراطية. وحينما يقع انحراف السلطة التقديرية من قِبل الجهات التنفيذية والوزارية المختصة، عبر الإفراط في استخدام الاستثناءات والصلاحيات الممنوحة لمعالجة الحالات الإنسانية، وتحويلها إلى نافذة خلفية لمنح الجنسية لآلاف الأفراد الذين يفتقرون للولاء الوطني الحقيقي ولم يرتبطوا تاريخياً واجتماعياً بهذه الأرض، فإننا نكون أمام تزييف استباقي ومقنن لإرادة الناخب العراقي الأصيل، وإجهاض متعمد لمبدأ تكافؤ الفرص الدستوري. وتكشف القراءة التحليلية المعمقة أن هذه الشبكات المتنفذة قد غادرت أساليب التزوير المادي المكشوفة التي يسهل على المحاكم الجنائية ومكاتب التحقيق العدلي تتبعها وإبطالها، وعمدت بدلاً من ذلك إلى شرعنة هذه الإجراءات إدارياً. ويتم ذلك من خلال واجهات استثمارية وشركات تجارية وعقارية صورية تسجل بأسماء وسطاء محليين، لتتخذ كغطاء قانوني للحصول على سمات الإقامة الذهبية أو الدائمة، والتي تختزل لاحقاً المدد الزمنية المطلوبة للتجنيس.

إن خطورة هذه التنظيم المنهجي الخفي تكمن في دمج هذه الكتل البشرية المجنسة بطرق ملتوية ضمن دوائر انتخابية حساسة تتسم بالتنوع الطائفي أو القومي، لتشكل صمام أمان وجدار صد رقمي للقوى التقليدية في نظام الدوائر المتعددة. إن الصوت الانتخابي الذي يفتقر إلى دافع المصلحة الوطنية المشتركة، ويكون ولاؤه محصوراً بالجهة التنفيذية التي منحته الوثيقة السيادية يمثل شرخاً بنيوياً في جدار السلم الأهلي وتهديداً لعدالة المنظومة التشريعية. نتسأل أين هي الرقابة القضائية الواجبة؟ وأين هو دور هيئة النزاهة واللجان البرلمانية المختصة في حماية سجلات وزارة الداخلية من هذا الانتهاك الصامت؟ إن السكوت عن تحويل وثائق السيادة إلى أدوات للمقايضة والمكاسب النيابية المؤقتة يجرد الدولة من هيبتها القانونية ويضعف من مصداقيتها الدولية. إن ألامن القومي تقتضي اليوم وقفة شجاعة من القضاء الدستوري عبر تفعيل آليات الرقابة اللاحقة، وإخضاع كافة قرارات التجنيس الصادرة بناءً على صلاحيات استثنائية لتدقيق جنائي وفني محايد. وان يقوم المواطن العراقي الاصيل بدوره يشارك و يصوت في العملية الديمقراطية النزيهة و ليس الهجينة.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!