إنّ ذكرى استشهاد مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) ليست مجرد تاريخٍ يُبكى، أو مناسبةٍ عابرةٍ يُستحضر فيها الشجَن؛ بل هي زلزالٌ أخلاقي يُوقظ الضمير الإنساني، وتجسيد حيٌّ لأسئلة الحق المهضوم والعدالة المغيّبة، واختبار سرمديٌّ لضمير الأمة. هل ننحاز إلى الحقيقة وإن فَدُح الثمن، أم نلوذ بالصمت طلباً للسلامة؟.
فالزهراء موقفٌ لا يموت، ومنهجٌ يأبى الانكسار؛ لم تكن مجرد ابنةِ نبيّ، بل هي النفحة الروحية، والامتداد القيميّ لرسالته. في مهد النبوة نشأت، ومن نبعها الصافي تشرّبت قيم الرحمة، والصبر، والإيمان. لتتجاوز سيرتُها حدود الأدوار التقليدية، وتغدو شخصيتها منطلقاً للوعي الأخلاقي، ومنارةً هاديةً للأمة.
إن استحضار سيدة نساء العالمين اليوم يتجاوز حدود الدموع؛ فالحزن الصادق وعيٌ متبصر، والولاء الحقيقي سلوك وعطاء. إذ لا قيمة لإحياء ذكراها والحديث عن مظلوميتها إن غاب العمل بنصرة المظلوم وصون الكرامة؛ فمجالسها مدرسة للوقوف في وجه الجور، وإلا تحولت التعازي إلى شعارات بلا روح. وهنا تتخطى السيرة الفاطمية إطارها الزمني لتقدم أطروحة أخلاقية تلائم الواقع الراهن؛ فالمرأة التي واجهت الفقد والألم دون أن تطمس الفاجعة بصيرتها، ولم تساوم على إرثها القيمي بعد رحيل رسول الله، تمثل اليوم مرجعية إنسانية لمواجهة أزمات العصر في نضالِهِ لمناهضةِ اضطهادِ المرأةِ، واستلابِ الحقوقِ المشروعةِ، وتسليعِ المبادئِ خدمةً للمصالحِ الضيقةِ.
لم تكن فاطمة الزهراء، عليها السلام، مجرد دمعةٍ في تاريخ الفاجعة، بل كانت سؤال الكرامة المتجدد في وجه الإنسانية.. هل ننصر الحق إذا عزّ ناصره؟ وفي العراق، ملتقى المقدسات والمآسي، تتجلى سيرتها ميثاقاً للوحدة الأخلاقية؛ ليكون حب أهل البيت جسرًا للتراحم والإنصاف، لا جدارًا للخصومة. إن المحبة التي لا تقوِّم السلوك مبتورةٌ، والدمعة التي لا تحيي الضمير عاقرٌ؛ فوحده الموقف النبيل هو الشاهد الحي على صدق الانتماء. رحلت سيدةُ نساء العالمين جسداً، لِتَتَجَذَّرَ في وعي البشرية نهجاً عابراً للزمن. لم تكن عابرةً في التاريخ، بل ضميراً للمظلومين، ومنارةً للأحرار؛ حيث الحقُّ يستمدُّ قوته من عدالته لا من كثرة ناصريه.
السلام عليكِ يا بنت رسول الله وسيدة نساء العالمين. السلام على الوجع الساكن في شرايين المحبين، وعلى النور القدسي المتحدي للعصور. سلامٌ على روحكِ الطاهرة؛ يوم أشرق بمولدكِ بيتُ النبوة، ويوم تجرّعتِ المحنةَ صوناً للأمانة، ويوم رحلتِ مظلومةً.. فغدوتِ في وجدان التاريخ صوتاً أزلياً لا يخبو، ودرساً في الكرامة لا ينتهي.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!