RSS
2026-09-30 17:05:49

ابحث في الموقع

جيوب مثقوبة وخزانة فارغة.. أبعاد الأزمة في موازنة 2027

جيوب مثقوبة وخزانة فارغة.. أبعاد الأزمة في موازنة 2027
تدخل موازنة العراق لعام 2027 مرحلتها الأكثر أهمية، بعدما غادرت أدراج وزارة المالية ووصلت إلى المسار الحكومي النهائي، وسط تقديرات بعجز قد يلامس 65 تريليون دينار، وخلافات مبكرة بشأن سعر النفط وحجم الإنفاق والتعيينات الجديدة، بالتوازي مع اعتراض كردي على النسبة السكانية التي يمكن أن تعتمد لتحديد حصة الإقليم، لتبدو الموازنة المقبلة أمام اختبار يتجاوز تأمين الأموال إلى إعادة ترتيب أولويات دولة تلتهم النفقات الحاكمة الجزء الأكبر من إيراداتها قبل الوصول إلى المشاريع والاستثمار والخدمات.

البرلمان ينتظر

ويقول عضو اللجنة المالية النيابية حسين الدراجي، إن “مشروع موازنة 2027 لم يصل حتى الآن إلى مجلس النواب، إذ دخل مراحله الحكومية بعد استكمال وزارة المالية إعداد المسودة وإحالتها عبر المجلس الوزاري للاقتصاد إلى مجلس الوزراء، وبالتالي فإن الأرقام النهائية المتعلقة بحجم الإنفاق والعجز وسعر النفط لا يمكن التعامل معها باعتبارها نهائية قبل إقرار المشروع حكومياً وإرساله إلى السلطة التشريعية، التي ستبدأ بدورها دراسة الإيرادات والنفقات ومصادر تمويل العجز”.

ويضيف، أن “الموازنة المقبلة تختلف عن الموازنات السابقة من حيث التوجه إلى تطبيق موازنة البرامج والأداء بصورة تدريجية، وربط جانب من الإنفاق بالنتائج الفعلية، وهناك أيضاً ملفات تتعلق بالعقود والأجراء اليوميين والمشاريع المتوقفة والإيرادات غير النفطية، وكل هذه الملفات ستكون موضع نقاش عند وصول المشروع إلى البرلمان، ولا سيما في ظل الظروف المالية التي تتطلب إيجاد توازن بين الالتزامات الحاكمة للدولة وعدم تحميل الموازنة نفقات يصعب تمويلها”. 

موازنة برامج

وسيعتمد العراق لأول مرة “موازنة البرامج” والتي تقوم على تغيير طريقة توزيع الأموال العامة من تمويل الوزارات وفق أبواب إنفاق تقليدية إلى ربط التخصيصات ببرامج وأهداف محددة ونتائج قابلة للقياس، بحيث يصبح الإنفاق مرتبطاً بما تنجزه الجهة الحكومية فعلياً خلال السنة المالية، وهو ما يتيح تتبع كلفة كل برنامج ومقارنة الأموال المصروفة بحجم الخدمات أو المشاريع المنجزة، بدلاً من الاكتفاء بقياس قدرة المؤسسات على إنفاق تخصيصاتها.

ومن المقرر أن يبدأ تطبيق هذا المسار تدريجياً في موازنة 2027، على أن تشمل المرحلة الأولى قطاع الكهرباء ومحافظتي الديوانية وصلاح الدين كنطاق أولي للتطبيق، قبل الانتقال إلى قطاعات ومحافظات أخرى وفق نتائج التجربة، ما يجعل الموازنة المقبلة بداية انتقال جزئي من نموذج يعتمد بصورة أساسية على بنود الإنفاق إلى نموذج يربط التمويل الحكومي بالأهداف ومؤشرات الأداء والنتائج المتحققة على الأرض.

70 تريليوناً للرواتب

بدوره، يقدر الخبير الاقتصادي علي دعدوش، ان إجمالي الإنفاق بنحو 160 إلى 165 تريليون دينار، مقابل إيرادات كلية قد تتراوح بين 98 و100 تريليون، بافتراض تصدير 2.7 مليون برميل يومياً واعتماد سعر 60 دولاراً للبرميل، مع إيرادات غير نفطية تتراوح بين 20 و22 تريليون دينار.

ويضيف، إن “الجزء الأكبر من الإنفاق سيذهب إلى النفقات التي يصعب على الحكومة تقليصها، إذ تقدر الرواتب والأجور بنحو 65 إلى 70 تريليون دينار، والتقاعد بنحو 18 إلى 20 تريليوناً، والرعاية الاجتماعية بين 25 و28 تريليوناً، فضلاً عن 10 إلى 12 تريليوناً للطاقة والسلع والالتزامات المرتبطة بها، ونحو 8 إلى 10 تريليونات لخدمة الدين والالتزامات السيادية”. 

ويرى دعدوش، أن “ما سيتبقى للاستثمار والخدمات والبرامج والمشاريع قد يدور بين 25 و35 تريليون دينار”، مرجحاً في الوقت ذاته “عدم اللجوء إلى تخفيض اسمي كبير في الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية، مقابل الاتجاه إلى وقف التوسع في التوظيف وضبط مزدوجي الرواتب وتحسين استهداف شبكة الرعاية وربط جزء أكبر من الإنفاق الاستثماري بالأداء، مع حصر الاقتراض بالمقدار الضروري لتغطية الفجوة المالية”. 

تثبيت العقود

لكن ملف التوظيف يضع الموازنة أمام ضغط معاكس، إذ أعلنت اللجنة المالية النيابية تمسكها بتثبيت العقود والأجراء اليوميين في الوزارات والمؤسسات الحكومية، مؤكدة استعداد البرلمان لإجراء المناقلات اللازمة لتوفير تخصيصاتهم في حال وصول المشروع من الحكومة من دونها، وهو ما يعني أن أحد أكبر الملفات الاجتماعية في الموازنة سيبقى مفتوحاً حتى مرحلة المناقشات النيابية. 

أما سعر النفط، الذي يشكل مفتاحاً أساسياً لتحديد الإيرادات والعجز، فما تزال بشأنه تقديرات متباينة، إذ قال عضو اللجنة المالية جمال كوجر، إن المقترحات الفنية دارت حول نطاق 53 إلى 56 دولاراً للبرميل، مقابل تقديرات حكومية أعلى تراوحت بين 60 و70 دولاراً، مؤكداً أن الموازنة يجب ألا تبنى على ارتفاعات مرتبطة بظروف مؤقتة في سوق الطاقة. 

حصة الإقليم

وبموازاة الخلاف حول الإيرادات والنفقات، بدأ ملف حصة إقليم كردستان يفرض نفسه مبكراً على الموازنة، إذ أظهر تقرير نُشر بالتعاون مع وزارة التخطيط في حكومة الإقليم اعتراضاً على اعتماد نسبة 12.68 بالمئة لسكان كردستان، وتمسكاً بنسبة 14.14 بالمئة، محذراً من انعكاس الخلاف بشأن نتائج التعداد السكاني بصورة مباشرة على حصة الإقليم في موازنة 2027.

وكان مجلس وزراء إقليم كردستان قد طالب الحكومة الاتحادية باعتماد نسبة 14.14 بالمئة عند إعداد الموازنة، فيما دعا نواب وسياسيون كرد إلى جعل نتائج التعداد أساساً لإنهاء الخلاف المزمن على حصة الإقليم، وهو ما يضيف ملفاً تفاوضياً جديداً إلى الموازنة قبل انتقالها إلى مجلس النواب. 

أزمة حقيقية

إلى ذلك، يقول الخبير الاقتصادي محمود داغر، إن “العراق يواجه أزمة اقتصادية حقيقية ليست وليدة أحداث مضيق هرمز في شباط الماضي، بل أزمة بنيوية تراكمت على مدى سنوات نتيجة قرارات اقتصادية وتوظيفية أثقلت الموازنة، ولذلك فإن التعامل معها بوصفها أزمة مؤقتة في السيولة أو النقد لن يقود إلى معالجة المشكلة”.

ويضيف، أن “مشروع موازنة 2027 يجب أن يعكس حقيقة الوضع المالي، فلا معنى لإقرار عجز كبير في وقت أصبح تمويله أكثر صعوبة، كما لا ينبغي إدراج مشاريع استثمارية لا تتوفر مصادر فعلية لتمويلها، إلا في الحالات التي يمكن فيها الحصول على تمويل منخفض الكلفة من المؤسسات الدولية، فيما يجب أن تكون القدرة الحقيقية على التمويل هي الأساس في تحديد حجم الموازنة وليس الرغبات أو الضغوط السياسية”.

موازنة متعادلة

ويتابع داغر، أن “إضافة أعباء وظيفية أو رواتب والتزامات جديدة ستعيد إنتاج المشكلة نفسها التي تراكمت خلال السنوات الماضية، ولذلك ينبغي تعبئة الموارد عبر الجباية الحقيقية وتقليل الاستثناءات ومواجهة منافذ الفساد، إلى جانب اعتماد سعر متحفظ لبرميل النفط وربط سقف النفقات بحجم الإيرادات الممكن تحقيقها فعلياً”. 

ويعتقد الخبير الاقتصادي، أن “الظرف الحالي يستدعي الابتعاد عن موازنة العجز والاتجاه قدر الإمكان نحو موازنة متعادلة، لأن استمرار تمويل جانب من الالتزامات عبر الاقتراض سيضع الدين العام تحت ضغوط متزايدة، والعراق لم يعد يمتلك المساحة نفسها التي كانت تسمح في سنوات سابقة بتوسيع الإنفاق اعتماداً على توقعات متفائلة للإيرادات النفطية”.

وأعلنت وزارة المالية، في (27 أيلول 2026) إحالة مشروع الموازنة العامة الاتحادية لعام 2027 إلى المجلس الوزاري للاقتصاد، بعد إنجاز مراحل إعداده.

وبحسب بيان رسمي، فقد جاء إنجاز مشروع الموازنة ثمرة اجتماعات عمل متواصلة للجنة العليا لإعداد الموازنة، بإشراف وزير المالية فالح ساري، تضمنت استضافة ممثلي الوزارات وإقليم كردستان والمحافظات، إلى جانب استشارة خبراء ماليين من داخل العراق وخارجه.

ونقل البيان عن الوزير فالح ساري، قوله: إن الوزارة أوفت بالتزاماتها في إنجاز مشروع الموازنة ضمن التوقيتات المحددة، مبيناً أن إعدادها يتضمن تطبيقاً تدريجياً لمنهج موازنة البرامج والأداء في قطاع الكهرباء ومحافظتي الديوانية وصلاح الدين، بما يعزز ربط التخصيصات بالأهداف والنتائج وقياس أثر الإنفاق، تمهيداً للتوسع في تطبيقه على مؤسسات الدولة.

وبين، أن “مشروع الموازنة راعى أولويات البرنامج الحكومي، وأخذ في الاعتبار المتغيرات الاقتصادية والمالية وأولويات الإنفاق واحتياجات شرائح مجتمعية مهمة، ضمن حدود الإمكانات المالية المتاحة، مع التركيز على تعزيز الإيرادات غير النفطية وترسيخ الانضباط المالي”.

ومن المقرر أن “يناقش المجلس الوزاري للاقتصاد مشروع الموازنة، تمهيداً لاستكمال مناقشاته ورفعها إلى مجلس الوزراء وفق السياقات المعتمدة”.




المصدر: العالم الجديد
كلمات مفتاحية
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!