RSS
2026-10-06 14:45:24

ابحث في الموقع

يسمع باليمنة ويطَلِّع من اليسرة

يسمع باليمنة ويطَلِّع من اليسرة
بقلم: حسن كاظم الفتال

بسم الله الرحمن الرحيم 

(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) ـ الأنفال / 21


يسمع باليمنة ويْطَلِّع من اليسرة 

عبارة رغم أنها شائعة فإنها طرقت سمعي قبل أكثر من نصف قرن وأسمعتنيها الصدفة بعد أكثر من نصف قرن أيضًا

هذه العبارة هي مثل شعبي يتداوله الناس فيما بينهم في ظرف معين أو في مواجهة حالة معينة سنأتي عليها فيما بعد.

وتختلف ألفاظ تناول هذا المثل لدى بعض الناس إنما المعنى واحد . ( اليمنة گطنة واليسرى طينة)

وهنالك مرادفات ربما تختلف بالمضمون والصياغات لكنها تتساوى بالقصد والغاية ومنها مثلا البيت الشعري المعروف : لقد أسمعت لو ناديت حيّاً ** ولكن لا حياة لمن تنادي.

وأمثال تلفظ باللغة الفصحى مثلا : (كَمَن يَنفخ في رماد) أو البيت الشعري القائل:

ولو نارا نفختَ بها أضاءت ** ولكن أنت تنفُخُ في رمادِ

وهكذا وربما هنالك مثيلات مما تتداوله المجتمعات إنما أنا حديثي سيكون على المثل الشعبي المألوف والشائع بين الناس الذي هو (يسمع من اليمنة ..ويطَلِع من اليسرة) ولكني أشير قبل ذلك إشارة سريعة وخاطفة لدلالة الأمثال الشعبية. 

الأمثال الشعبية: تُصَنَّف بأنها موروث شعبي ثقافي تتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل وغالبا ما يحظى استخدامها وتداولها بنصيبٍ وافر من والاعتزاز والإهتمام ويتم تعاطيها بين أفراد المجتمع الواحد بديمومة أو بنمطية معينة وربما تكون أحيانًا علامة فارقة أو سمة من سمات الثقافة. حيث أدركت الأجيال أن للحكمة دورا غير نمطي. 

ومن الأمثال ما هو أشبه بالقاسم المشترك بين مجتمعات عدة متقاربة بالتوجهات أو الثقافات وأخرى تختص بها مجتمعات معينة إما أن تتناسب مع بيئتها أو اختلاف اللسان أي اللغة وارتباطها بالجذور والأسس والأصول لذلك المجتمع وما يتعلق بثقافته وأفكاره

وبعضها قد يتسم بالخصوصية أو بالمرحلية حيث يتعرض تداولها للجمود ثم الإندثار بسبب تعاقب الأجيال وإهمال استخدام بعضها أو عدم ملاءمتها للمرحلة التي يمر بها المجتمع.

والمجتمعات هي التي تبتكر وتصوغ وتنتج الأمثال بل تروج لتداولها فيما بينها وهي لا تنبعث من فراغ بل تكون خلاصة للتجارب التي مرت بها أو لوقوع أحداث معينة ترتبط بحضارة المجتمع أو بمنهجية الحياة اليومية التي يمارسها .

وهي تارة تعكس صورة ثقافة المجتمع وتبرز هويته وتشخصه.    

وتارة المثل هو الذي يؤسس للثقافة حيث أن من الأمثال ما يسبق طرحها وإتيانها تعريفات لأحداث أو لقصص أو روايات سواء كانت واقعية أو أسطورية.

ومنها ما يستبطن البلاغة ومنها ما يحمل التشبيه أو الإستعارات اللفظية الكلامية فيقتصر فهمها على فئة دون أخرى.

ولا شك أن للوقائع الجسيمة والنكبات وحتى الحروب وما يشابهها نتاجا للأمثال .

والمثل له مخرجات كثيرة ومتنوعة فمرة يشير إلى واقع معين حقيقي عاشه أفراد أو مجاميع ومرة أخرى يكون مستخلصا من حدث أو ممارسة او تصرف من قبل فرد أو أفراد.

تتقارب بالصياغة والمعنى والمقاصد وربما تختل بالخصوصيات وباللفظ وحسب الموقع الجغرافي أو الأرجحية للمناطقية أو البيئية أو المستوى الثقافي فمنها ما هو يلفظ باللهجة الشعبية الدارجة وأخرى باللغة الفصحى. فللمدينة أصناف بالتداول اللفظي وللريف ما يختلف رغم أن بعضها ينتج معنىً واحدًا.

ليس بعيدًا أن جملة من الأمثال يتناسب طرحها مع الذوق والآداب العامة والسلوكيات وتفصح عن جوهر الحكمة وفاعليتها تنتجها خلاصة التجارب المريرة والتعاطي مع المواقف الحياتية بعقلانية وتدبر وتأخذ أثرها وتتحول إلى صيغ إرشادية تصرح بالعظة والعبرة والنصيحة لمن يستلزم النصيحة والتوجيه إلى سلوك سبيل الهدى وهذا الصنف من الأمثال لعله أكثر شيوعًا في بعض الأوساط.

ومن الأمثال ما له علقة بالعقيدة وتهدف إلى تكريس العقيدة وترسيخها في النفوس . 

ورغم أن المثل تكونه جملة مختزلة يقتصر لفظها على كلمات قليلة معدودة إنما تمتاز بأنها تفصح عن أبلغ معنى للنصح والارشاد والتذكير والتنبيه وبالصيغ المقبولة.

 وهذا الإختزال والإيجاز بالكلمات هو اختزال لفكرة بل أفكار معينة ويحدث أن يُحَفَز الإنسان على التحلي بالصبر والتأني والروية في أية ممارسة ويرشده إلى تجنب كل ما هو ضار 

والأمر هذا هو الذي جعل المثل أن يأخذ أثرًا عميقا وحصة كبرى بالتداول حيث أن الحكمة غالبا ما تتطلب الاختصار ليسهل على المتلقي استيعابها وفهمها وإدراكها وحتى توفر سهولة حفظ العبارة فتختزن الذاكرة المعنى خصوصا حين تمتاز العبارة بتناسقية المفردات. ولعل ذلك يصبح أداة أو سببا لترويض النفس إلى سلوك سبيل الصواب وكذلك وسيلة لوضع الأمور في نصابها. 

ومن الأمثال ما هو للطرفة والتندر والتفكه.

وصنف منها يبدو وكأنه أشبه بالدعوة لاتخاذ الحيطة والحذر من السقوط في منزلقات معينة إن لم نقل أشبه بالتهديد أحيانًا.

وثمة حصة لتوجيه العتاب أو اللوم أو التأنيب 

وآثرتُ أن أختارَ وأدرجَ المثلَ الشعبي القائل : تسمع باليمنة وتطلع باليسرة. وهذا المثل يخبر عمن يسمع النصيحة ولا يكترث بل يتجاهل أو يتعمد التجاهل أو الاستخفاف أو الاهمال للأمر وتحديدا تعني ملازمة اللامبالاة من قِبَلِ من هو في أذنيه وقر لعل من أكثر الأمثال تداولا وشيوعًا هذا المثل الشائع والذي يقال لمن يتسم باللامبالاة.

في حديث وعظ وإرشاد وتنبيه وتذكير قيم لأحد الفضلاء وهو يخاطب جمعًا ممن يتصفون ببعض المواصفات والتوصيفات ويتكلفون مسؤولية معينة لجانبٍ من جوانب الإدارة وقد حتمت عليه المسؤولية الشرعية أن يهمَّ على تذكيرهم بالإخلاص بالعمل وإلفات عنايتهم لإيلاء الرعاية والإهتمام بما ينجزون من أعمال وظيفية بإتقان ما ينبغي إتقانه فيما يقدمون .

فحين ختم هذا المسؤول الفاضل حديثه بعبارة كنت يومًا ما قد سمعتها أنا شخصيًا.

مما جعلني أن أعود بذاكرتي إلى زمن قد لا أتمكن من تحديد أوانه ولكن أتذكر جيدا الموقع والناطق بتلك العبارة التي كم تستوجب أن تستقر في الذاكرة. 

سمعت تلك العبارة حين كنت في المرحلة الابتدائية من الدراسة في مدرسة الحسين عليه السلام وكان المعلم رحمه الله رجل دين معروفا ومشهورا في زماننا ذاك.

كان ذلك المعلم يُبَسِّط وييسر لنا الحديث ويقص علينا قصصًا تشحن صدورنا بالعِظةِ والعِبرة مما يجعل ما يقوله يستقر في ذاكرتنا .

وغالبًا ما كان يكرر عبارة لعلها أصبحت أشبه باللازمة لديه ولدينا . إذ بعد ختام الحديث وفي لحظات تأمل وبابتسامة خفيفة يشخص ببصره نحونا ويردد قولته المعهودة : وهو يشير بسباته اليمنى إلى الأذن اليمنى ويقول: (مو تسمعون مِنّا ـ ويقصد الأذن اليمنى ـ وتْطَلعون مِنّا ويشير إلى الأذن اليسرى).

أي (تسمعون من اليمنه وتطلعون من اليسره).

 كنت قد سمعت هذه العبارة عن كثب قبل أكثر من نصف قرن من هذا المعلم الذي كنت أعده إنموذجًا ومثلا أعلى للإنسان المثابر والحريص بكل صدق على تطبيق مفهوم ومضمون معنى التربية والتعليم. سمعتها وأنا في بداية المرحلة الابتدائية. ولست بزاعمٍ بأن هذه العبارة والتي تعد من الأمثال الشعبية ستظل ترافقني كغيرها من العبارات أو باتت مستقرة تماما في ذهني أو ذاكرتي. ولعله لم يصادفني موقف أو حدث يكرر لي سماعها أكثر من مرة ولم أكن أتوقع ذلك.

ليس لأن العبارة غير فاعلة أو أنها لا تناسب المرحلة فربما بعض هذه الأمثال تُجَدِّد وتعيد استذكارَها المعايشةُ والاحتكاك والتعرض لمواقف معينة تقتضي إتيان ما هو مناسب استعارات أو كنايات أو تشبيهات تعبر عن رأي أو وجهة نظر أو فكرة لم أظن يوما أنني سأسمعها بالوقت والمكان اللذين تم فيهما سماعي وبالقوة والتأثير ذاته والوقع الذي تركته. فقد شاء القدر لأن يدعها تطرق سمعي مرة أخرى وبعد أكثر من نصف قرن من سماعها لأول مرة . وأتيح لي أن أسمعها وفي ظرف جدُ مناسب وأقصد بسمعها بالظرف المناسب والمقتضى لتكرارها وسماعها بعد مرور أكثر من نصف قرن ومن شخص يستحق أن يحمل بجد ومثابرة صفة معلم ليس كوظيفة أكاديمية بل روحيًا ومعنويا وقد سمعتها رغم التشابه اللفظي إنما كأنها أتت بصيغة غير تلك الصيغة. هذا المعلم قد سمعها هو الآخر من المعلم نفسه الذي ذكرته آنفًا في الابتدائية كذلك قبل أكثر من نصف قرن وإنه ذكر المعلم بالاسم وأعلن عن ذلك أمام جمعٍ من الحضور المتلقين لخطابه ومن أجل أن يوقد جذوة الحث على تواصل الجد والمثابرة والمواظبة على الإتقان ولكي يسد كل منافذ التقاعس أو التقصير إن وجد كرر العبارة نفسها.

ورغم أن حصول التشابه في رفع السبابة اليمنى ووضعها على الأذن اليمنى إنما نطق العبارة أو المثل وهو يعتصر نفسه وذاته وبدت قسمات وجهه المبجل ونظراته تتداخل بين إعلان التهكم من التقصير أو التقاعس وبين الحرص والحماس والإخلاص في طلب إنجاز الأعمال بإتقان. وطلب التفاني في العمل ولعلها أشبه بالتحذير عن التقصير. 

إذ بعد أن طرح برنامجه العملي وتوجيهاته ووصاياه كان عليه أن يؤكد ويصر على مواصلة العمل بكل تفانٍ وإتقان دون توانٍ أو تملل أو تماهل أو تغافل. 

وبذلك لا عذر ولا حجة بعد اليوم لأي مقصر أو متقاعس أو من يتظاهر بالنسيان وما على السامع إلا أن يُوَسِع أذنه اليمنى ويعدها للسمع ويغلق اليسرى لكي لا يدع مسلكاً لخروج ما ألقي على المسامع.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!