RSS
2026-02-06 19:02:28

ابحث في الموقع

العقلية أم الموهبة؟ سؤال العصر في كرة القدم

العقلية أم الموهبة؟ سؤال العصر في كرة القدم
بقلم: كرم نعمة

في كرة القدم، كما في الحياة، لا شيء يبقى على حاله. كانت اللعبة تُحسم بموهبة لاعب، بلمسة لا تتكرر، بقدم تعرف طريقها إلى المرمى. لكن الزمن تغيّر. فجأة أصبحت كلمة “العقلية” هي المفتاح الذي يفتحه المدربون كل صباح، ويغلقونه كل مساء. كلمة تُقال كأنها قدر جديد، وكأن الموهبة أصبحت شيئاً محرجاً، شيئاً لا يليق بعصر يريد أن يصدّق أن النجاح يُصنع في المختبر، لا يولد في الأزقة.

هذا التحول ليس رياضياً فقط. إنه جزء من ثقافة كاملة تكره الاعتراف بالحظ. ثقافة تريد أن تُخضع الإنسان لبرنامج نفسي، وأن تفسّر الفشل بأنه خلل في “الذهنية”، لا في الظروف ولا في العدالة الغائبة. وكأن الاعتراف بالموهبة اعتراف بأن الحياة ليست عادلة، وأن بعض البشر يولدون وفي جيوبهم ما لا يمكن تعويضه.

في بريطانيا، يتجلى هذا الهوس في كلمة واحدة: bottle. كلمة عامية، لكنها تحولت إلى معيار أخلاقي. هل يملك الفريق “الزجاجة”؟ هل يملك الجرأة؟ هنا لا يعود السؤال عن الموهبة، بل عن القدرة على الصمود تحت الضغط. إنها ثقافة بروتستانتية قديمة أعيد تدويرها في الملاعب: العمل، الانضباط، الذهنية. أما الموهبة، فهي شيء لا يمكن التحكم فيه، ولذلك تُهمَل، أو تُخفى، أو يُعاد تعريفها كأنها مجرد “تفصيل”.

إن كلمة “الزجاجة” في العامية البريطانية لا علاقة لها بالزجاج، بل هي مقياس للشجاعة الذهنية. حين يقول البريطانيون إن فريقاً “يملك الزجاجة”، فهم يقصدون أنه يملك العقلية التي لا تنهار في اللحظة الحاسمة. أما الفريق الذي “يفقد الزجاجة”، فهو الفريق الذي يتداعى ذهنياً مهما كانت موهبته. لذلك أصبحت الكلمة مرادفاً للعقلية في الثقافة الكروية الإنجليزية، ونافذة لفهم كيف يُعاد تعريف الفوز هناك بوصفه انتصاراً للذهن قبل القدم.

تأمل الجرس اللغوي لكلمة bottle وكيف تبدو، مصادفةً، قريبة من كلمة بَطل العربية، كأن اللغة نفسها تلمّح إلى أن البطولة تبدأ من الرأس قبل القدم.

بيب غوارديولا مدرب نادي مانشستر سيتي لا يؤمن بالموهبة إلا بوصفها خامة تحتاج إلى تهذيب. ما يهمه هو ما بعد الموهبة: الانضباط، التكرار، التفاصيل التي لا يراها أحد. سيتي فريق لا يلعب كرة قدم، بل يصنعها. فريق يقتل المباراة ذهنياً قبل أن تبدأ. فريق لا يسمح للصدفة بأن تتدخل، ولا للخيال بأن يخرج عن النص.

غوارديولا قال ذات مرة: “العقلية هي ما يصنع الفارق.” هذه ليست جملة، بل عقيدة. سيتي فريق بلا ارتجال تقريباً. فريق يكتب المباراة كما تُكتب التقارير العلمية: بلا انفعال، بلا رعشة، بلا تلك الفوضى الجميلة التي كانت جزءاً من اللعبة. إنه فريق العصر: عصر يريد أن يسيطر على كل شيء، حتى على ما لا يمكن السيطرة عليه.

على الجانب الآخر، يقف آرسنال. فريق شاب، مليء بالشرارة، بالخيال، بالاندفاع. فريق يملك الموهبة، لكنه لا يملك دائماً القدرة على تثبيت اللحظة. ميكل آرتيتا يعرف ذلك. قالها بوضوح: “نحن نملك الموهبة، لكننا نحتاج إلى عقلية البطل.”

آرسنال يشبه الكاتب الذي يملك كل الكلمات، لكنه يتردد عند الجملة الأخيرة. يشبه المجتمع الذي يملك كل الإمكانات، لكنه يخاف من لحظة الحسم. ليس لأنه ضعيف، بل لأنه لم يتعلم بعد كيف يواجه الضغط.

وهكذا آرسنال يريد أن يفوز بالدوري الانجليزي الممتاز كما يفوز الشعراء: بالخيال. وسيتي يريد أن يفوز كما تفوز الشركات: بالهندسة.

ما يحدث في كرة القدم ليس معزولاً عن العالم. نحن نعيش في زمن يكره الاعتراف بالهبة. زمن يريد أن يصدّق أن النجاح نتيجة “ذهنية” لا نتيجة ظروف. ولذلك أصبحت كلمة “العقلية” كلمة مريحة. كلمة تمنح الإنسان وهماً بأنه سيد مصيره بالكامل.

لكن الحقيقة أبسط وأكثر قسوة. كما يكتب جانان غانيش في صحيفة فايننشال تايمز: “الموهبة تُحسم في سن مبكرة، ولا يملك الفرد إلا القليل من التحكم فيها”.

هذا الاعتراف يزعجنا. ولذلك نلجأ إلى خطاب العقلية. لكن كرة القدم، مثل الحياة، لا تُختزل في عقلية أو موهبة. إنها مزيج من الاثنين، مع جرعة من الفوضى التي لا يمكن التنبؤ بها.

سيتي يمثل الإنسان الحديث الذي يريد أن يسيطر على كل شيء. آرسنال يمثل الإنسان القديم الذي يثق بالشرارة الأولى. والدوري الإنجليزي أصبح مسرحاً لهذا الصراع الوجودي. قد يفوز سيتي مرة أخرى، وقد يفاجئ آرسنال الجميع. لكن السؤال الأهم ليس من يفوز، بل: أي فلسفة ستنتصر؟

فلسفة العقلية التي تُهندس النجاح؟ أم فلسفة الموهبة التي تولد من صدفة جميلة لا يملكها أحد؟

في النهاية، لا يتعلق الأمر بسيتي أو آرسنال. ولا يتعلق بالعقلية أو الموهبة. بل يتعلق بزمن كامل يريد أن يهرب من الحقيقة القديمة: أن الإنسان لا يُختزل في ما يصنعه، ولا في ما يُولد معه، بل في المسافة بين الاثنين. المسافة التي تُسمّى الحياة. وفي تلك المسافة، لا ينتصر الأقوى ولا الأذكى، بل من يعرف أن الموهبة بلا عقلية عرجاء، وأن العقلية بلا موهبة عمياء، وأن اللعبة — كل لعبة — لا تُحسم في الملعب فقط، بل في القلب الذي يجرؤ على الاعتراف بما لا يريد هذا العصر الاعتراف به: أن الحظ، مثل الموهبة، جزء من العدالة الغائبة التي لا نملك إلا أن نكتب عنها.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!