RSS
2026-02-06 19:01:04

ابحث في الموقع

غرينلاند والعراق.. حين تُختبر الجغرافيا بالقوة ويُخطئ من يختبر ترامب سياسيا

غرينلاند والعراق.. حين تُختبر الجغرافيا بالقوة ويُخطئ من يختبر ترامب سياسيا
بقلم: مجاشع التميمي

ما يحدث اليوم في العلاقات الدولية لا يمكن تصنيفه ضمن الخلافات التقليدية بين الحلفاء، بل يمثل انكسارًا واضحًا في قواعد النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. أن تهدد الولايات المتحدة دولة حليفة وعضوًا في حلف شمال الأطلسي مثل الدنمارك، وتطالبها بالتنازل “طوعًا” عن إقليم تابع لها، مع التلويح بالقوة وفرض عقوبات اقتصادية، فهذا انتقال صريح من منطق التحالف إلى منطق الإملاء.

غرينلاند ليست دولة مستقلة، بل إقليم يتمتع بحكم ذاتي موسّع ضمن مملكة الدنمارك، مع حق قانوني معترف به دوليًا في تقرير المصير. ومع ذلك، لم تعد هذه الأطر القانونية كافية في عالم تُعاد صياغته وفق ميزان القوة. طرح فكرة “شراء” الجزيرة، ثم التهديد الاقتصادي، ثم التلميح باستخدام القوة، يعيد إلى الأذهان نماذج التوسع القسري التي ظن الغرب أنه تجاوزها.

الذريعة الأمريكية المعلنة هي الأمن القومي ومواجهة روسيا والصين. لكن هذا الخطاب يصطدم بحقائق ميدانية. فالدنمارك ودول أوروبية أكدت غياب أي نشاط عسكري روسي أو صيني يشكل تهديدًا مباشرًا للجزيرة. والأهم أن الولايات المتحدة تمتلك أصلًا وجودًا عسكريًا راسخًا في غرينلاند منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، من خلال قاعدة فضائية متقدمة، واتفاقيات دفاعية تتيح لها توسيع نشاطها دون المساس بالسيادة.

ما يعني أن الهدف ليس الحماية، بل السيطرة. فغرينلاند تحتل موقعًا جيوستراتيجيًا بالغ الحساسية، إذ تتحكم بأهم ممر بحري–عسكري في شمال الأطلسي، وهو الممر الإجباري لتحركات الأسطول الروسي نحو القارة الأمريكية. ومع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، تقلصت القيود الطبيعية، وازدادت أهمية السيطرة المباشرة على هذه النقطة الخانقة.

في هذا السياق، لا يؤمن دونالد ترامب بالأمن الجماعي ولا بالتحالفات، حتى داخل الناتو. نظرته صريحة: الولايات المتحدة تحمي الجميع، ولا يجب أن تعتمد على أحد. لذلك يرى أن وجود أرض تخضع للسيادة الأمريكية المباشرة في هذا الموقع الحرج أفضل من الاعتماد على حليف قد يتردد أو يساوم.

البعد النووي لا يقل خطورة. تاريخ غرينلاند يكشف أنها كانت جزءًا من مشاريع نووية أمريكية سرية خلال الحرب الباردة، أُخفيت حتى عن الحكومة الدنماركية. اليوم، ومع عودة الحديث عن توسيع الترسانة النووية، تبدو الجزيرة موقعًا مثاليًا بعيدًا عن الضغوط السياسية الأوروبية، خصوصًا مع مخاوف واشنطن من توجهات استقلال مستقبلية قد تفتح الباب أمام نفوذ خصومها.

أما الثروات الطبيعية، فهي جوهر الصراع الحقيقي. غرينلاند تمتلك كميات ضخمة من المعادن المصنفة أمريكيًا كـ “معادن حرجة”، وهي معادن تدخل في صناعة الأسلحة المتطورة، والرقائق الإلكترونية، والبطاريات، والطاقة المتجددة. كما تضم أكبر مخزون من المعادن الأرضية النادرة خارج الهيمنة الصينية. السيطرة على هذه الموارد تعني التحكم بسلاسل الإنتاج العسكري والتكنولوجي لعقود مقبلة.

إلى جانب ذلك، تشير التقديرات إلى وجود احتياطيات نفط وغاز هائلة غير مستغلة. لم يكن بالإمكان استثمارها سابقًا بسبب الجليد، لكن ذوبانه غيّر المعادلة بالكامل، وحوّل الجزيرة من عبء جغرافي إلى كنز اقتصادي مفتوح.

ولا يمكن فصل ذلك عن الممرات البحرية الجديدة التي فتحها ذوبان الجليد. هذه الطرق تختصر أسابيع من زمن الشحن العالمي، وتقلل الكلفة بشكل كبير، وتمنح من يسيطر عليها نفوذًا اقتصاديًا هائلًا في التجارة الدولية.

الأخطر هو دخول لوبيات التكنولوجيا على الخط، عبر مشروع ما يُعرف بـ “مدن الحرير”. هذه المدن ليست مدنًا بالمعنى التقليدي، بل مناطق تُدار كشركات خاصة، بقوانين ضريبية شبه معدومة، وأنظمة عمل وقضاء وأمن خاصة، ولا تخضع فعليًا لسيادة الدولة. تُستخدم كمختبرات للتقنية، والبيانات، والأنظمة المالية الجديدة، بعيدًا عن القيود القانونية. غرينلاند مغرية لهذا النموذج بسبب مساحتها الشاسعة، قلة سكانها، وبرودتها الطبيعية التي تخدم مراكز البيانات العملاقة.

ولا يمكن تجاهل العامل الشخصي. ترامب يسعى لتخليد اسمه تاريخيًا كرئيس وسّع مساحة الولايات المتحدة، على غرار صفقة لويزيانا في القرن التاسع عشر، وصفقة ألاسكا لاحقًا. غرينلاند بالنسبة له ليست جزيرة، بل “صفقة تاريخية” تُسجل باسمه.

وهنا يبرز السؤال الأخطر: ماذا لو تحدّى العراق ترامب؟ التجربة تؤكد أن الرد لن يكون سياسيًا أو إعلاميًا، بل سياديًا مباشرًا: تعطيل الدولار، خنق النظام المصرفي، تجفيف الاستثمار، وزعزعة الاستقرار الداخلي. في عالم ترامب، سوء التقدير لا يُعاقَب بالتصريحات، بل بتفكيك أدوات الدولة نفسها.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!