RSS
2026-05-17 13:48:05

ابحث في الموقع

منتدى النقد الأدبي في كربلاء... يناقش جماليات الانكشاف في أعمال الأديب علي لفتة سعيد السردية

منتدى النقد الأدبي في كربلاء...  يناقش جماليات الانكشاف في أعمال الأديب علي لفتة سعيد السردية
تُعد تجربة الروائي والقاص العراقي علي لفتة سعيد من أبرز التجارب السردية العربية المعاصرة التي زاوجت ببراعة بين الواقع والرمز؛ إذ تتجلى فيها "جماليات الانكشاف" كاستراتيجية فنية وفلسفية يتعرى من خلالها الواقع، وتتكشف خبايا النفس البشرية وسط صراعات الوجود والحروب. ولا يكتفي السرد في الأدب المعاصر بمحاكاة الواقع أو نقل الأحداث تصويرياً، بل يتجاوز ذلك ليغوص في أعماق النفس البشرية بحثاً عن مكامن الخلل والجمال. وفي هذا السياق، تبرز تجربة سعيد بوصفها مشروعاً سردياً زاخراً بالتحولات والاشتباكات الفكرية والجمالية، حيث يتنقل ببراعة بين القصة والرواية والنقد، حاملاً هموم الإنسان والأرض. ومن هذا المنطلق، يتأسس السؤال الجمالي بوصفه طاقةً مضمرةً صاغها الأديب عبر آليات متداخلة في نسيج سردياته.


               الآليات الجمالية في سرديات الأديب الذي لا يغادر شعبه

تتعدد آليات السرد لدى الكاتب؛ فمنها أولاً: التراكم الوصفي الذي يبتكر بصرية توهم بالكشف لكنها تفتح آفاق التساؤل. وثانياً: السؤال بوصفه أداة تفكيك تُعلق المعنى بدلاً من تثبيته. وثالثاً: الجسد كعلامة تتحول إلى نص ثقافي يفضح السلطة. ولعل من أبرز المقاربات النقدية التي تُفكك نصوصه هي (جماليات الانكشاف)، بوصفها آلية سردية وفلسفية يعمد الكاتب من خلالها إلى تعرية الواقع وكشف تناقضاته، سياسياً واجتماعياً ونفسياً. ولا يعني الانكشاف عند علي لفتة سعيد مجرد الفضيحة أو الكشف المباشر للأسرار فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل انكشاف الذات على ذواتها في لحظات الانكسار، وانكشاف المكان وتحوله من مجرد خلفية جغرافية إلى مسرح حي يتفاعل مع الشخوص ويحمل معاناتهم.

* الاحتفاء بالمنجز النقدي

احتفاءً بما تم طرحه، نظم منتدى النقد الأدبي في كربلاء، التابع لاتحاد الأدباء والكتّاب، أمسيةً تكريميةً للأديب علي لفتة سعيد ضمن منهاجه الدوري؛ حيث خُصصت لقراءة منجزه الإبداعي تحت عنوان: «جماليات الانكشاف في سرد الأديب علي لفتة سعيد». أدار الأمسية مدير المنتدى ونائب رئيس الاتحاد، الشاعر صلاح السيلاوي، الذي استهل الجلسة بالإشادة بمكانة كربلاء الأدبية والثقافية، واصفاً إياها بأنها كانت وما تزال رافداً حيوياً للثقافة والأدب.

•            دراسة نقدية وسيرة ذاتية

افتُتحت الجلسة بالتأكيد على المكانة الأدبية والثقافية لمدينة كربلاء المقدسة، بوصفها رافداً حيوياً ومستداماً للأدب والثقافة. عقب ذلك، استعرض السيلاوي السيرة الذاتية للناقد والأديب مهدي الوزني، الذي وُلد في كربلاء عام 1964، وهو عضو في اتحاد الأدباء وكتاب كربلاء المقدسة، وله أربعة إصدارات ودراسات متنوعة في المسرح العربي. بعدها، اعتلى الوزني المنصة ليقدم دراسته النقدية الرئيسة بعنوان "جماليات الانكشاف في سرد الأديب علي لفتة سعيد"، وهي دراسة معمقة حللت تجربة سعيد كقاص وروائي متميز، سلط الوزني فيها الضوء على البراعة السردية في رواية (تاريخ المرايا) وقدرة الكاتب على توظيف الزمان والمكان، مشيراً إلى أن الانكشاف السردي يتجلى عبر جماليات المرئي الناتجة عن التراكم الوصفي؛ فالوصف هنا لا يعمل كأداة للإيهام بالرؤية فحسب، بل يزعزع في عمقه هذا الوضوح، كما في قوله: (كان البيت يشبه بيتها تماماً... باب خشبي ومجاز بعرض متر يفضي إلى حوش مفتوح). وتناول الناقد الوزني أيضاً رواية (لعبة الدوائر الفارغة)، موضحاً أن في هذه الرواية يتجلى الانكشاف السردي عبر جمالية الصدمة؛ إذ يتحول الجسد إلى علامة ثقافية تكشف صراع السلطة والرغبة والمحرم وتعرية ما كان مستتراً داخل النسق الثقافي والاجتماعي. وفي نهاية ورقته النقدية أكد الوزني أن الأديب علي لفتة سعيد لا يقوم على الحكي التقليدي، بل على إنتاج أثر جمالي يتشكل عبر التوتر بين الظاهر والمخفي. ومن هنا يغدو الانكشاف السردي بنية جمالية عميقة تجعل النص مفتوحاً على احتمالات متعددة وتحول القراءة إلى تجربة تأويلية مستمرة.

•            سيرة المحتفى به وإنجازاته

عقب ذلك، استعرض مدير الجلسة الشاعر صلاح السيلاوي سيرة المحتفى به، الروائي علي لفتة سعيد.. مسلطاً الضوء على أبرز محطاته الإبداعية وأعماله التي تجاوزت( 46) إصداراً تنوعت بين الرواية، والنقد، والقصة، والشعر، والمسرح، وأدب الرحلات وهو يسعى من خلال الحرف الى اطفاء جمرة الحرب وبالسرد لإدامة اشتعال جمرة الحرف حتى صار السرد مشروعا مهما لهذا الجيل مثلما هو الشعر مكونا مع نفسه رؤية خاصة ازدحمت بالقراءات العديدة لمختلف التوجهات السردية سواء منها العراقية او العربية او العالمية.

حصد الكاتب عن نتاجاته الأدبية جوائز عديدة في العراق ومصر وتونس، كما خضعت تجربته للدراسة في مؤلفات نقدية بأقلام كُتّاب عراقيين وعرب. ومن أبرز الجوائز التي نالها في مجال السرد: الجائزة التقديرية عن مجموعته القصصية (اليوبيل الذهبي) عام 1997، وجائزة الإبداع العراقية عن مجموعته (بيت اللعنة) عام 1998، والجائزة الأولى عن روايته (مواسم الأسطرلاب) في مسابقة القلم الحر بمصر. وعلى صعيد المشاركات الثقافية، حضر الكاتب العديد من المهرجانات في تونس والأردن ومعظم المهرجانات الأدبية في العراق، كما حظي منجزه الإبداعي باهتمام أكاديمي واسع عبر تناوله في رسائل وأطاريح جامعية، فضلاً عن ترجمة بعض أعماله إلى اللغتين الفرنسية والإنجليزية.

•            شهادات ومداخلات أدبية

تخللت الأمسية شهاداتٌ أدبية شارك فيها كلٌّ من الناقد حيدر جمعة العابدي، والشاعر قاسم بلاش، والقاص حمودي الكناني، والدكتور سليم جوهر، والباحث خليل الشافعي.

يقول القاص حمودي الكناني إن وقوف مهدي الوزني على نصوص "علي لفتة سعيد" يضعه أمام سردية قلقة ومشاكسة، توظف السخرية الذكية لتقويض الزيف، وتكشف الحقائق العميقة والمؤلمة لأوجاع المجتمع. ومن هذا المنطلق، يسعى هذا الموضوع إلى تفكيك هذه الجماليات، والكشف عن البنى السردية واللغوية والرمزية التي استعان بها الكاتب لتمرير رؤيته للعالم، مع بيان كيف تجلّى "الانكشاف" كقيمة فنية منحت نصوصه بُعداً إنسانياً وتأويلياً يتجاوز حدود الحكاية إلى آفاق الدلالة؛ وهو ما يتجلّى بوضوح في رواية "ستاركس".

أكّد الناقد حيدر جمعة العابدي أن الناقد مهدي الوزني تناول الدور المحوري للأيديولوجيا في النصوص السردية المعاصرة، لا بوصفها فكرة عابرة، بل كفاعل فكري وفني يُشكّل المتون الروائية. وقد ركّز الوزني في دراسته على تجربة الروائي العراقي علي لفتة سعيد، بوصفها نموذجاً غنياً لتفكيك محرّكات الصراع الأيديولوجي في المجتمع العراقي، حيث نجح الروائي في طرح هذه الأفكار للنقاش المعمّق بعيداً عن المباشرة والدعاية أو الانحياز العقائدي. وبذلك، حقّق توازناً دقيقاً بين العمق الفكري والجمال الفني، سعياً منه لتعزيز الوعي النقدي لدى المتلقّي عبر كشف المسكوت عنه في الذاكرة الاجتماعية والتاريخية للعراق.

          ختام الأمسية

اختُتمت الأمسية بتكريم نائب رئيس الاتحاد، الشاعر صلاح السيلاوي، للأديب علي لفتة سعيد والناقد مهدي الوزني، حيث قدّم لهما شهادات تقديرية احتفاءً بمسيرتهما الإبداعية وسط أجواءٍ من حفاوة الحضور.

حيدر عاشور




التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!