RSS
2026-01-13 22:23:33

ابحث في الموقع

سوريا ومساراتها المتسارعة نحو المجهول

سوريا ومساراتها المتسارعة نحو المجهول
بقلم: عادل الجبوري

بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، بحوالي شهر تقريبا، كتبت، بأن “الكثير من التجارب البعيدة والقريبة، تؤكد أن انهيار أي نظام استبدادي ديكتاتوري لا يمكن أن يعقبه استقرار سياسي وهدوء أمني وتعايش مجتمعي وانتقال وتداول سلمي للسلطة، بقدر ما يخلف من فوضى واضطراب وعنف وغياب وتعطيل للقانون والنظام”.

ولعل هذا ما سمعنا وقرأنا عنه أو شهدناه وشاهدناه أو عشناه وعايشناه، خلال حقب ومراحل زمنية مختلفة في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا وأفريقيا والعالم العربي. وسوريا اليوم، ليست استثناء من هذه القاعدة، بل هي تعد مثالاً ومصداقاً واضحاً وجلياً لها، فحزب البعث الذي حكم هذا البلد منذ عام 1963 حتى أواخر عام 2024، أي لمدة ستة عقود من الزمن، أسس وكرس ورسخ مناهج الاستبداد والتسلط والدكتاتورية بصورة فاضحة، بصرف النظر عن طبيعة تحالفاته واصطفافاته ومواقفه المرتبطة بسياساته وعلاقاته الخارجية.

واليوم تعكس الصورة المضطربة والمرتبكة جدا لسوريا في ظل حكم جبهة النصرة، بزعامة رئيسها احمد الشرع (أبو محمد الجولاني) عمق ازمة هذا البلد، في خضم تجاذبات وتقاطعات داخلية وخارجية خطيرة ومقلقة للغاية.

ابتعدت كثيرا معطيات وحقائق الواقع خلال عام كامل عن الشعارات التي رفعتها، والوعود التي قطعتها السلطة السياسية الحاكمة في دمشق، وتبددت آمال وفرص الاستقرار السياسي والأمني والمجتمعي، وراحت تلوح في الأفق ملامح وبوادر الحرب الاهلية والاقتتال الداخلي، بل أكثر من ذلك جرّ هذا البلد الخارج للتوّ من سطوة النظام الديكتاتوري الشمولي، إلى غياهب الاستبداد والتسلط والطغيان والتهميش والتطهير والاقصاء والتدمير، بأدوات مشابهة إلى حد كبير لأدوات السلطة السابقة، ان لم تكن أسوأ واكثر دموية منها.

يتحدث رئيس السلطة السورية الجديدة احمد الشرع باستمرار عن تكريس وترسيخ قيم التعايش والسلم بين كل مكونات الشعب السوري، ويتحدث كثيرا عن تأمين حقوق المواطنة للجميع، ويؤكد “أن الدولة السورية هي دولة الجميع”، بيد أن ما حصل في مدن الساحل السوري صيف العام الماضي، الذي وصفته لجان تابعة للأمم المتحدة بأنه “مجازر وانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب”، ومن ثم استهداف كنائس، وبعدها مساجد، ومن ثم المواجهات الطاحنة بين قوات النظام والمكون الكردي في شمال شرق سوريا، تتقاطع وتفترق جميعها مع ما يصدر على لسان الشرع من كلام جميل.

الصورة الداخلية الأكثر وضوحا للمتابع والمراقب من قريب ومن بعيد، وللمواطن العادي السوري، هي الفوضى الممتزجة بالمنهج القمعي الاقصائي، التي تنفذها وتديرها اجهزة ومؤسسات السلطة العسكرية والأمنية، ومعها الفصائل والجماعات المسلحة المتماهية مع أصحاب القرار، والعكس صحيح.

لا شك أن ما جرى ويجري في الشارع السوري، سواء في المناطق ذات الأغلبية العلوية، أو ذات الأغلبية الكردية، أو حيث يتواجد المسيحيون، وحتى الدروز، يؤشر إلى أن الأمور ذاهبة نحو الحرب والاقتتال الداخلي بعناوين ومسميات طائفية ومذهبية وقومية، اكثر من اتجاهها نحو التعايش والتآلف والانسجام.

وما يعزز ذلك الاتجاه السلبي الخطير والمقلق هو تقاطع الارادات والاجندات الخارجية، التي تتحرك في الجغرافية السورية عبر أدوات ووسائل السلطة، ومن هو قريب منها واليها، حيث يرى البعض، “أن العوامل الخارجية تلعب دورًا أكبر من العوامل الداخلية في الأزمة السورية”، ويعتقد هذا البعض “ان استقرار الوضع السوري مرتبط بمدى قدرة الأطراف الخارجية على التأثير في القرارات الداخلية، مما يجعل تحقيق وحدة التراب السوري أمرا معقدًا ويحتاج إلى إدارة دقيقة للتوازن بين القوى المحلية والدولية “.

فالقوى الدولية الكبرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين، تختلف وتتقاطع في مصالحها وحساباتها وأجنداتها وأولوياتها في سوريا وعموم المنطقة. والقوى الإقليمية، مثل تركيا وايران والسعودية والامارات وقطر ومصر، كما هي مختلفة ومتصارعة في ساحات مختلفة، كالساحة اللبنانية والساحة الليبية والساحة اليمنية والساحة السودانية، فإنها من الطبيعي ان تختلف وتتصارع في الساحة السورية، وربما بدرجة أكبر، ارتباطا بحقائق جيوبولوتیكية، وتراكمات سياسية وتاريخية طويلة، ناهيك عن طبيعة عقيدة ومنهجية وإرث السلطة الحاكمة ذات الجذور الارهابية التكفيرية.

فوق هذا وذاك، فإنه اذا كانت عوامل واسباب الاطاحة بالنظام السابق، هي اصطفافه مع محور المقاومة بزعامة الجمهورية الاسلامية الايرانية، ورفضه التطبيع مع الكيان الصهيوني، فإن هرولة السلطة الجديدة نحو واشنطن وتل ابيب، وتقديمها التنازلات بلا ثمن، وفتحها الابواب على مصاريعها للكيان، يمكن ان يعمق المشكلات ويرفع منسوب الفوضى والاضطرابات والتوترات، ويزرع الكثير من الالغام الموقوتة، بدلا من أن يفضي إلى الاستقرار والامن والازدهار.وثمة من يعتقد أن تلك الهرولة السورية المتسارعة نحو واشنطن وتل ابيب، والاندفاع غير المحسوب، من شأنه ان يحول دون بلورة هوية سياسية واضحة بمواقف وثوابت ومسارات صائبة ومثمرة.

واكثر من ذلك، يمكن ان يزيد من مآزق السلطة الحاكمة ويعجل من انهيارها. كما قلنا في وقت سابق، "يمكن أن تكون السلطة الجديدة الحاكمة جزءاً من الحل، ويمكن في الوقت ذاته، أن تكون جزءاً من المشكلة، وهذا يتوقف على جملة عوامل، لعل من بينها، طبيعة توجهات ونوايا أركان وأصحاب الحكم وطريقة أدائهم ومدى استعدادهم لاستيعاب مظاهر التنوع السياسي والديني والمذهبي والثقافي والاجتماعي، وبناء علاقات متوازنة وعقلانية مع مختلف أطراف المحيط الإقليمي والفضاء الدولي، بعيداً عن عقد الماضي ونزعات الثأر والانتقام والوقوع بفخ إرضاء هذا الطرف على حساب الطرف الآخر".

وهذا في جانب كبير منه لم يتحقق خلال عام كامل، بل تحقق ما هو خلافه، والذي حتى الان، يؤكد ان “سوريا الشرع”، تتحرك بمسارات متسارعة نحو المجهول.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!