RSS
2026-01-13 15:38:16

ابحث في الموقع

محوريَّة العقل في فكر الامام الكاظم (عليه السلام)

محوريَّة العقل في فكر الامام الكاظم (عليه السلام)
بقلم: جعفر الخزاعي

ولد الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) يوم 7 من شهر صفر في سنة 128هـ واستشهد يوم 25 رجب في سنة 183هـ، سنوات قضى فيها مسيرة عظيمة من العطاءات والتضحيات، التي أرفد فيها الأمة بكم زاخر من الفيوضات الفكرية والعلمية والأخلاقية، التي ما أنفك ينهل منها العالم الإسلامي منذ ذلك العصر إلى يومنا الحاضر، وأهم ما يمكن أن نستذكره في ذكرى استشهاده هو وصيته لهشام بن الحكم التي تحمل مكانة عالية في موروثنا، لما تحتويه من معانٍ سامية وإيضاحات لافتة في مكانة العقل ومحوريته في الفكر الإسلامي، إذ نحاول في هذا المقال أن نعرض لها عرضًا يوجز بعض المضامين التي أشار إليها الإمام فيها.

تبدأ الوصية بقول الإمام (عليه السلام): “يا هشام إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: (فَبَشِّر عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَستَمِعُونَ ٱلقَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحسَنَهُ أولَٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَأُوْلَٰئِكَ هُم أولُواْ ٱلأَلبَٰبِ)”. أولو الألباب هم أصحاب العقول الذين سيدور مدار الوصية عليهم بالحديث عنهم وعن أهمية العقل والعلم والتعقل وعلاقتها بالإيمان بالله تعالى، فيقول (عليه السلام): “يا هشام إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصر النبيين بالبيان، ودلهم على ربوبيته بالأدلة ... فقال: (وَٱختِلَاٰفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزق فَأَحيَا بِهِ ٱلأَرضَ بَعدَ مَوتِهَا وَتَصرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ ءَايَٰت لِّقَوم يَعقِلُونَ)”، ختام الآية بقول (ءايات لقوم يعقلون) بيان واضح يدل على أن هذه الأحداث الكونية إنما تمثل براهين دامغة للإيمان بخالقها ومدبّرها، ولا يمكن إدراك عظمة هذه القدرة إلا بالعقل بالتعقل، فيكون العقل بذلك الوسيلة الموصِلة إلى الإيمان بالله تعالى وبقدرته، ومن دونه لا يمكن أن يتحقق الإيمان بالخلق والقدرة، فأدرك المخلوق عبر العقل أنه لا يمكن لمحدود القدرة أن يكون قادرًا على الخلق أو إنزال الماء من السماء أو توجيه الرياح، مما يدل على أنّ خالقها مطلق القدرة والعلم.

 ثم يقول (عليه السلام): “يا هشام إن العقل مع العلم، فقال [تعالى]: (وَتِلكَ ٱلأَمثَٰلُ نَضرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعقِلُهَآ إِلَّا ٱلعَٰلِمُونَ)” إذ لا يمكن انفصال العلم عن العقل، لعدم القدرة على تحصيل العلم إلا بالعقل، والجدير بالذكر أن من يطّلع على هذه الوصية يجد الإمام (عليه السلام) يرفد مع كل مضمون يقوله آية قرآنية كريمة، وهذا إن دلّ فيدلّ على أن كلامهم (عليهم السلام) ليس استحسانات عقلية أو ترجيحات فكرية، إنما كلام ينبع أصله من نمير الكلم الإلهي، متمحورًا حوله غير خارج عن مداره.

ثم يوضح (عليه السلام) فضل أهل العقول على سائر الناس بقوله: “يا هشام ثم ذكر [الله تعالى] أولي الألباب بأحسن الذكر، وحلّاهم بأحسن الحلية فقال: ... (أَمَّن هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِدا وَقَآئِما يَحذَرُ ٱلأٓخِرَةَ وَيَرجُواْ رَحمَةَ رَبِّهِ قُل هَل يَستَوِي ٱلَّذِينَ يَعلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أولُواْ ٱلأَلبَٰبِ)” فيقول السيد الطباطبائي في الميزان في تفسير هذه الآية: “وقوله: (إنما يتذكر أولو الألباب) أي ذوو العقول وهو في مقام التعليل لعدم تساوي الفريقين بأن أحد الفريقين يتذكر حقائق الأمور دون الفريق الآخر فلا يستويان، بل يترجح الذين يعلمون على غيرهم) ويتم بذلك ترجيح أهل العقول على سائر الخلق أيضًا، ويقول (عليه السلام): “يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا، وأكملهم عقلًا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة” فبذا يجعل أهل العقول في مكانة لا يدانيهم فيها أحدًا من العالمين؛ لأن العقل بهذا لم يكن الموصِل إلى الإيمان بالله فحسب كما ذكرنا في البدء، إنما هو الموصِل إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة الله حسب ما ورد في بعض الروايات أنها غاية الغايات التي على المخلوق أن يجعلها أولى أولوياته ليفوز في دنياه وآخرته، والإنسان كلما اقترب منها اقترب من كمالات نفسه لأنّ “من عرف نفسه عرف ربه”.

ثم يجعل (عليه السلام) العقل حجة موازية لحجة الأنبياء والرسل (عليهم أفضل الصلاة والسلام) بقوله: “يا هشام إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول”، فالعقل بذلك أصبح هو الحجة الموجِّهة للحق، الكامنة في نفوس الناس كلهم، سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، بمثابة الضمير الحي الذي ينبّه الإنسان حين يزيغ عن طريقه، ليدفعه إلى الطريق القويم الذي فيه نجاته.

ولبيان كيف يمكن للعقل أن يغني عن الاحتياج المادي المتمثل في المال، والاحتياج المعنوي المتمثل بالارتياح النفسي، يقول (عليه السلام): “يا هشام من أراد الغنى بلا مال وراحة القلب من الحسد والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله عز وجل في مسألته بأن يكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه ومن قنع بما يكفيه استغنى، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا”.

وفي أواخر الوصية يبين العلامات والخصال التي يتحلى بها من كمل عقله في قوله (عليه السلام): “وما تم عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتى: الكفر والشر منه مأمونان، والرشد والخير منه مأمولان، وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف، ونصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره، والتواضع أحب إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه، ويرى الناس كلهم خيرا منه، وأنه شرهم في نفسه، وهو تمام الأمر”، ثم يذكر (عليه السلام) بعض الصفات الأخرى التي لا يسع المقام لذكرها، لأننا بهذا المقال لم نقم سوى بذكر لمحات صغيرة عن هذه الوصية التي يمكن أن تشير إلى إشارات وجيزة في ما أورد فيها الإمام من مضامين، إلا أننا استطعنا أن نستشف منها أبرز ما يحمله إمامنا العظيم (عليه السلام) من فكر نير وعلم رفيع، أفاض به على الناس وجعله يخلد في نفوسهم حتى بعد 1200 سنة من استشهاده (عليه السلام)، إضافة إلى أننا تمكننا أن نتلمس مدى ما يحمله العقل والعلم من أهمية بالغة في هذا الدين القيم، مما يدمغ دعوى تعارض الدين والعلم؛ لأن الدين الذي يجعل للعقل والعلم هذه المحورية والمكانة التأصيلية لا يمكن أن يعارضه.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!