RSS
2026-01-31 10:58:29

ابحث في الموقع

مصر السلام.. ذكرى تتجدد وواقع يتشكل

مصر السلام.. ذكرى تتجدد وواقع يتشكل
بقلم:د. خالد قنديل

تمثل الذكريات بالنسبة لدولة بحجم مصر، قنديلاً يمتد اشتعال فتيله الوضاء من الماضي القريب والبعيد، ليفسح دروبًا يملؤها النور في الحاضر وإلى أبعد نقطة في المستقبل، ولعل هذا ما نلمسه بوضوح في الوقت الراهن، وبما يشير ويؤكد قوة وثقل مصر، وهي ترسخ السلام بقوة الريادة وفتوة التاريخ المنغمس في الحضارة التي شكلت البنيان الأساس للحياة على الأرض، ولا تزال تواصل هذا الدور العظيم إقليميًا ودوليًا وتاريخيًا، كما قال الرئيس السيسي، الزعيم الذي يقبض على هذه الراية بحنكة وإخلاص معًا، في كلمته الشارحة المعبرة خلال الاحتفال بالذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة، مؤكدًا وموضحًا لشعب مصر ثباتها على المبادئ الراسخة "برفض العنف والدعوة إلى السلام والتمسك بسياسة البناء والرخاء، ورفض الاستيلاء على مقدرات الآخرين".

إنها المعادلة المرنة والقوية في الوقت ذاته، بأن يعي الجميع أن القوة في الدفع والتكامل، لا في التجاوز ومحاولات انتهاك مقدرات الأوطان، وقد علمنا التاريخ أن من يراهن على الحروب أو العنجهية وعدم احترام القوانين، خاسرٌ لا محالة، ومن هنا ولأن مصر دائمًا الكفة الراجحة بترسيخ السلام، كان اتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار في قطاع غزة شاهدًا حيًا على تلك الجهود والمساعي والدفع نحو التنفيذ الكامل للاتفاق، وإجهاض أي محاولات للالتفاف عليه. لتأتي هذه الكلمة المضيئة متزامنة لاستمرار المساعي المصرية الدءوبة للحفاظ على أمن المنطقة وسلامها، بعد مشاركة ناجحة وموفقة للرئيس بالمنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة دافوس، والتي بث من خلالها الروح المصرية الخلاقة، والرؤية المتكاملة للتعامل مع التحديات العالمية، برسائل سياسية واقتصادية متوازنة.

على الرغم من أن الفكرة القائم عليها مجلس السلام، الذي وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الخميس الماضي ميثاق تأسيسه، تشمل ما سُمي بالعمل من أجل تحقيق السلام على المستوى العالمي، فيما رأته بعض الأطراف تقويضًا محتملاً لدور الأمم المتحدة، ما زاد من القلق الأوربي تجاه السياسات الأمريكية ونزوعها نحو منح صلاحيات أوسع لترمب، الأمر الذي دفع دولًا غربية للعمل على تعديل بنود ميثاق المجلس وتنسيق رد موحد، فإن هناك جانبًا رئيسيًا وملحًا وظرفًا قائمًا مرتبطًا بخطة الرئيس الأمريكي لإنهاء الحرب في قطاع غزة، والتي كان قد أعلن عنها فى سبتمبر من العام الماضى، للتحرك باتجاه أكثر إيجابية في إعادة إعمار القطاع الذي دُمر عن آخره تقريبًا بآلة الحرب التي لم تتوقف من قبل الكيان المحتل.

ومع تنحية مشهد التعامل مع المنظمات الأممية القائمة بالفعل والاستهتار بقراراتها ومواثيقها، فيما بدا جليًا في العدوان الغاشم والحرب البربرية على غزة، ومراقبة السياسة الأمريكية التي تسعى الآن إلى إعادة تشكيل خارطة التحالفات بما يعوض الإخفاق في العديد من الملفات داخل المجتمع الأمريكي وأبرزها الاقتصاد المترنح، إضافة للنزعة النرجسية لدى ترمب الذي يحاول أن يخفض من حدة انتقاده من الأمريكيين أنفسهم، وفي ظل قناعته باستحقاقه التام لنيل جائزة نوبل للسلام، قد يأتي مجلس الأمن مستندًا في مساحة كبيرة منه إلى هذه الرؤية، والتي يعنينا منها ـ بلغة السياسة ـ مصلحة المنطقة، وهو ما يمكن قراءته في ضوء البيان الصادر عن الخارجية المصرية، وإعلان القاهرة قبولها الدعوة للانضمام للمجلس، في سياق تلخيصه بوضوح أسباب المشاركة، من حيث دعمها لمهمة المجلس فى إطار المرحلة الثانية من الخطة الشاملة لإنهاء النزاع فى غزة، مع الإشارة إلى أن ذلك وفقًا لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم ۲۸۰۳، مع تأكيد استمرار جهودها تنسيقًا مع جميع الشركاء والولايات المتحدة الأمريكية لضمان ثوابت محددة برزت فيها مصر كفاعل دولي وإقليمي محوري، متمسكةً بمسئوليتها التاريخية والجغرافية تجاه القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني عبر تحركات في السياقات المختلفة سياسيًا، وإنسانيًا، ودبلوماسيًا بشكل متواصل لا ينقطع منذ ومن قبل قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر من العام الماضي، والتي تمت بحضور قادة وزعماء دول العالم ورؤساء حكومات من أكثر من عشرين دولة وفيهم دونالد ترامب، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، للإعلان عن التحرك الفوري لوقف الحرب في غزة والبحث في خطط إعادة إعمار القطاع، ودعم جهود إحلال السلام وتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، وتبادل المحتجزين والأسرى، تمهيدًا للانتقال إلى المرحلة الثانية، ملخصة بوضوح في إعادة البناء والإعمار، وصولاً إلى مشاركة الرئيس السيسي في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية، ولقائه بالرئيس الأمريكي الذي يدرك جيدًا ثقل مصر وتأثيرها في محيطها وعلى المستوى الدولي وهو ما أشار إليه بصور مختلفة في حديثه.

من هنا يمكن التعويل على التحرك السياسي المصري القارئ للمشهد بمرونة وعناية، والعمل على تفعيل محاور وأهداف مجلس السلام بتعزيز الاستقرار، وإعادة إقامة حوكمة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها، وكل ذلك في سياق المرحلة الثانية من خطة السلام في قطاع غزة، وتأكيد الرئيس السيسي لترمب بأهمية التعاون المشترك لتحقيق الاستقرار ووقف التصعيد وتعزيز فرص التهدئة في المنطقة.

المجلس الذي جاء الإعلان عنه توازيًا مع اكتمال تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة، يشترط على الدول الراغبة فى الحصول على عضوية دائمة تقديم مساهمة مالية لا تقل عن مليار دولار، مع منح امتيازات خاصة للدول التى تقدم تمويلاً يفوق هذا الحد خلال العام الأول من تأسيس المجلس، وسوف يتولى الإشراف على ملفات إعادة الإعمار فى غزة، وتعزيز القدرات الإدارية، وتحفيز الاستثمارات الدولية، مع دعم الاستقرار الإقليمى، والعمل على تحريك رؤوس الأموال لإعادة بناء القطاع الذى دمرته الحرب، وجميعها بنود إيجابية يمكن العمل عليها وتفعيلها في ضوء الرؤية المصرية باعتبار مصر الداعي الأولى لإعادة الإعمار بالجهود الدولية المشتركة، والطرف الأكثر فاعلية وتحركًا في مساعي وقف الحرب، مع التمسك بثوابت القضية الفلسطينية.

إن التحرك المصري الواعي والقوي في الوقت نفسه يثبت وجودًا فارقًا في ملعب السياسة الدولية، وبالصورة التي تبلغ الرسائل بالإيقاع المطلوب، وإذ يتجدد 25 يناير ليضفي بريقه على معنى الحماية والدفاع عن الأوطان، فإن كل ما يمس القضية الفلسطينية وما يلحق بجسد الوطن من محن سواء في السودان أو ليبيا أو سوريا أو لبنان أو كل جزء بالوطن العربي أو قارتنا السمراء، يبقى واجبًا ومسئولية تحمل مصر لواءها على عاتقها حتى هتفت الشعوب باسمها لأنها الوطن الأغلى والأسمى، الذي يتبنى قضاياهم وأحلامهم، وليجدد الرئيس من منبر الذكرى، التأكيد على ضرورة عدم عرقلة المساعدات الإنسانية الموجهة إلى أهلنا في غزة، وعلى وجوب التنفيذ الكامل للمرحلة الثانية من الاتفاق، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع ليغدو قابلاً للحياة الكريمة. مع وجوب التوقف عن الممارسات الممنهجة ضد الشعب الفلسطيني في أرضه المحتلة، ورفض أي محاولات أو مساعٍ لتهجيره من وطنه.


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!