RSS
2026-02-01 04:44:47

ابحث في الموقع

انهيار ملاذ العالم الآمن.. كيف فقدت أسعار الذهب مكاسبها؟

انهيار ملاذ العالم الآمن.. كيف فقدت أسعار الذهب مكاسبها؟
بين ليلة وضحاها فقد السباق المحموم لاقتناء الذهب زخمه بعد صدمة الهبوط غير المسبوقة للمعدن الأصفر، التي أثارت المخاوف على الملاذ الآمن، الذي يرقد إليه العالم بثقة، فيما لاذ المحللون في حيرةً لتشريح ما حصل عكسته التحليلات المتباينة.

من آسيا إلى أوروبا وأميركا، كان العالم يعيش، ما وصفته فايننشال تايمز بـ"حمّى الذهب الكبرى" وغرق الجميع في موجة شراء شملت المستثمرين والبنوك المركزية والأفراد العاديين، فيما بدا أنه موسم ازدهار الملاذ الأقدم في التاريخ إلى صدارة المشهد المالي الحديث، في ظل الحروب التجارية والتوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين التي سببتها السياسات المتقلبة لساكن البيت الأبيض الذي يقود بلاد أقوى وأكبر اقتصاد في العالم.

لكن ما حصل ليلة الجمعة 30 كانون الثاني 2026، الذي سيذكره التاريخ قلب المشهد وأثار الذعر.

بعد ارتفاع استمر 3 سنوات متواصلة، قادته البنوك المركزية للدول النامية التي تبحث عن ملاذ بعيد عن الدولار الأميركي، هوت أسعار الذهب بأكثر من 8% الجمعة متأثرة بقوة الدولار، وتزامن ذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اختيار كيفن وارش رئيساً لمجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي لكن، للمفارقة، الذهب سجل أقوى مكاسب شهرية له منذ عقود.

وبحسب CNBC، حتى مع الانخفاض أمس الجمعة في سعر الذهب، فقد حقق في شهر كانون الثاني الجاري أفضل أداء له منذ أكثر من 40 عاماً، فيما حققت الفضة أفضل شهر لها في التاريخ، حيث ارتفعت قيمتها بأكثر 40%.

وسجل سعر الذهب أمس الجمعة أسوأ أداء يومي منذ 1983، بانخفاض 12%، وهوت الفضة بأكثر من 30% إلى 80.4 دولارا للأونصة.

متلازمة الذهب والدولار

وذكرت فايننشال تايمز أن سعر صرف الدولار ارتفع الجمعة بنحو 0.6% مقابل سلة من العملات الرئيسية، حيث يزيد ارتفاع الدولار من تكلفة الذهب، الذي يتم تسعيره بالعملة الأميركية، بالنسبة لحائزي العملات الأخرى، الأمر الذي يعني أن ارتفاع سعر صرف الدولار يقلل من جاذبية الذهب.

اختيار وارش لرئاسة الفدرالي

وارتفع سعر صرف الدولار بعد أن ‌وقع اختيار ترامب على وارش، الذي يُنظر إليه على أنه يميل نسبياً إلى التشديد النقدي، لقيادة مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي بعد انتهاء ولاية جيروم باول في ‌أيار المقبل.

وبحسب الصحيفة البريطانية فايننشال تايمز، أدى الإعلان عن اختيار كيفن وارش لرئسة مجلس الاحتياطي الفدرالي إلى ارتفاع سعر صرف الدولار وانخفاض سعر الذهب بشكل حاد، ما يعني وجود ثقة في الأسواق أن وارش "سوف يقاوم ضغوط ترامب لتخفيضات أسعار الفائدة بشكل حاد".

وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية أن بعض المستثمرين يرون أن وارش يمثل "اختياراً آمناً نسبيا"، وذلك لخبرته في الاحتياطي الفدرالي وسجله المعروف كمؤيد للسياسة النقدية المتشددة.

السياسة العالمية

دور التقلبات السياسية الحادة في التذبذب الذي يشهده سعر الذهب، تحدثت عنه المحللة في شركة إم كيه إس بامب نيكي شيلز لفايننشال تايمز، قائلةً إن هذا الشهر "كان الأكثر تقلباً في تاريخ المعادن الثمينة".

وشهد كانون الثاني الجاري تطورات سياسية في عدة مناطق بالعالم تسببت في حالة عدم اليقين والقلق في الأسواق العالمية، ومنها الخلاف بين ترامب وحلفاءه الأوروبيين حول جزيرة غرينلاند الدنماركية، وتهديد واشنطن بفرض رسوم جمركية على عدة دول أوروبية قبل أن يتراجع عن موقفه، واحتمال نشوب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

وفق توم برايس، محلل السلع في شركة بانمور ليبروم فإن هبوط الأسعار: "هذا سلوك كلاسيكي لـ"قمة السوق". هناك ارتباك وعدم يقين. الجميع يبحث عن الوضوح".

وفي الجانب السياسي، قال "دفعت الاضطرابات العالمية، من فنزويلا إلى غرينلاند وإيران، وتزايد القلق بشأن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي ترامب، المستثمرين إلى التهافت على المعادن النفيسة".

بدورها، قالت شيلز: "لقد شهدنا أحداثاً غير متوقعة يومياً". وأضافت: "كان الارتفاع سريعاً جداً ومبالغاً فيه".

ووصفت المحللة نيكي شيلز الوضع الحالي بأن يعبر عن "اضطراب عالمي"، وأن "ما لم يفكر فيه أحد بات يحدث بشكل يومي"، وكل هذه المتغيرات تؤثر على معنويات المستثمرين وسلوك المتداولين في الأسواق العالمية.

موجة بيع رابحة

في تفسير آخر للتراجع في أسعار المعادن، قالت كبيرة محللي الأسواق لدى XS.COM رانيا غول لوكالة رويترز "أُفسّر هذا التراجع، الانخفاض الكبير في أسعار الذهب والفضة أمس الجمعة، بأنه تصحيح قوي وجني أرباح عقب الارتفاع السريع، ما دفع الكثير من المستثمرين والمؤسسات إلى إعادة تقييم مراكزهم، وتقليص انكشافهم على المخاطر".

وحقق كثير من المستثمرين أرباحاً ضخمة نتيجة الارتفاع في أسعار الذهب في الأسابيع الاخيرة، ولهذا سارع بعضهم للبيع خشية المزيد من الانخفاض في أسعاره.

المشهد من آسيا

في آسيا، بدأت تحركات بورصة شنغهاي للعقود الآجلة لكبح جماح ارتفاع أسعار المعادن تؤتي ثمارها. فقد أعلنت البورصة يوم الجمعة عن تعليقها لعشر مجموعات من حسابات التداول، عقب إعلانها يوم الخميس الذي حذر المشاركين في السوق من ضرورة اتخاذ تدابير "للاستثمار الرشيد" للحفاظ على استقرار السوق.

وقال أرون ساي، كبير استراتيجيي الأصول المتعددة في شركة بيكت لإدارة الأصول: "كان من المتوقع ارتفاع التقلبات نظراً للتحركات السعرية الحادة التي سبقتها". وتتمسك الشركة برأيها بأن الذهب سيستفيد من تنويع محافظ مديري احتياطيات البنوك المركزية والمستثمرين الآخرين، وفق فايننشال تايمز.

في المقابل، قال تشارلز هنري مونشو، كبير مسؤولي الاستثمار في بنك سيز السويسري، إن الانخفاضات تبدو وكأنها تعكس "استسلاماً من جانب المشترين" بعد التحركات الأكثر حدة في أسعار الذهب، مقارنة بمتوسطها طويل الأجل، منذ عقود.

وأضاف أن هذا، إلى جانب الارتفاع الحاد في التقلبات الضمنية، يشير إلى "أن السوق في حالة تشبع شرائي مفرط على المدى القصير، مما يستدعي اتخاذ موقف أكثر حذراً".

التوقعات المستقبلية

في بداية العام الحالي، توافقت التوقعات على أن الذهب سيشهد صعوداً متزايداً، كان ذلك في وسط موجة الصعود المحموم، وبعد ليلة الجمعة الدامية، لا تزال الأسواق تتوقع خفض ‌سعر الفائدة في عام 2026، وهو ما ينتظر أن يدعم أسعار الذهب، إذ أن خفض الفائدة على سندات الخزانة الأميركية ذات العائد المضمون يدفع المستثمرين إلى بدائل أخرى مثل الذهب والأسهم.

صرحت كاتي ستوفز، مديرة الاستثمار في شركة ماتيولي وودز البريطانية لإدارة الثروات، لقناة CNBC يوم الجمعة، بأن هذه التحركات تُرجّح أن تكون "إعادة تقييم شاملة لمخاطر التركيز في السوق".

وأضافت: "كما هيمنت أسهم شركات التكنولوجيا، وخاصةً تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، على اهتمام السوق وتدفقات رؤوس الأموال، شهد الذهب أيضاً تركيزاً وتكدساً مكثفاً. فعندما يميل الجميع إلى الاتجاه نفسه، حتى الأصول الجيدة قد تُباع مع تصفية المراكز. هذا التشابه ليس من قبيل الصدفة، فكلاهما يُمثلان قطاعين تدفقت فيهما رؤوس الأموال بناءً على روايات قوية، وفي النهاية ستواجه المراكز المركزة عواقب وخيمة".

في غضون ذلك، رأى توني ميدوز، رئيس قسم الاستثمار في شركة BRI لإدارة الثروات، أن وصول الذهب إلى مستوى 5000 دولار كان "سهلاً للغاية". وأشار إلى أن تراجع الدولار الأميركي دعم أسعار الذهب، لكن الدولار بدا وكأنه استقر.

وقال: "كانت مشتريات البنوك المركزية هي المحرك الرئيسي للارتفاع طويل الأجل، لكن هذا الارتفاع تراجع في الأشهر الأخيرة. ومع ذلك، لا تزال الحاجة قائمة لتنويع الاحتياطيات، إذ أن سياسات ترامب التجارية وتدخله في الشؤون الخارجية ستجعل العديد من الدول قلقة بشأن الاحتفاظ بالأصول الأميركية، لا سيما دول الأسواق الناشئة أو الدول المتحالفة مع الصين أو روسيا. وستحاكي الفضة اتجاه الذهب، لذا فليس من المستغرب أن نشهد انخفاضات فيها".

من جانبه، رأى ديفيد تيت، الرئيس التنفيذي لمجلس الذهب العالمي أن "المحرّك الأساسي لصعود الذهب كان الخوف من انهيار مالي كامل، من سيناريو ديون خارجة عن السيطرة. الخوف هو الكلمة المفتاح في قصة الذهب اليوم".

رغم الاندفاع المحموم، يذكّر المحللون بما حدث في الماضي، فبعد الارتفاع الأسطوري في سبعينيات القرن الماضي، انهار الذهب مطلع الثمانينيات مع تراجع التضخم، وتكرر السيناريو بعد ذروة 2011.

"رحلة صعود أسعار الذهب انتهت"، بحسب المستثمرة الأميركية الشهيرة كاثي وود. وفي منشور على إكس أشارت إلى أن نسبة ارتفاع الذهب وصلت حالياً إلى 171% وهذا لم يحدث عبر التاريخ سوى مرة واحدة في الثلاثينيات خلال الكساد الكبير وبدرجة أقل في الثمانينيات عندما كان التضخم والفائدة مرتفعان للغاية.

بالتالي بحسب وجهة كاثي وصول الذهب لهذه النسبة حالياً غير مبرر لعدم وجود تضخم مفرط أو ركود ولا يمكن تفسيره سوى بالفقاعة وأي ارتفاع بالدولار قد يؤدي لانفجارها مثلما حدث بين عامي 1980 و2000 عندما هبط سعر الذهب بأكثر من 60%.

لكنّ ديفيد تيت يرى أن المقارنة اليوم مع تلك الفترات قد تكون مضلّلة، لأن "العالم يعيش الآن مزيجاً فريداً من الديون، والاضطرابات الجيوسياسية، وانعدام الثقة بالعملة".

ويختتم التقرير بما يشبه التحذير والاعتراف في آنٍ واحد: "الذهب لا ينتج شيئاً، ولا يدر دخلاً، لكنه بات مرآة لقلق العالم. وكلما ازداد القلق ازداد بريق المعدن الأصفر".

كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!