غرة واستهلال
بداية نقول: إن ما هو شائع بين أهل المعرفة وثابت وواقع ملموس يؤكد نسبة أو أنتساب فضائل ومآثر ومحاسن أو أفضلية أو شرفية للأزمنة ومثلما هذا واقع ومُعْتَرَف به ومتيقن كذلك ثمة أفضلية وشرفية وأحقية وأسبقية للتفاضل وأرجحية للأمكنة أي للبقاع والأماكن والمواضع والمَواطن . ولابد من دواعي وبواعث لاتسامها بما جعلها تستحق كناية التفضيل أو الشرفية وتضاهي الأخريات ولا تماثلها سواها.
ومما لا يخفى على أحد أن ثمة بقاع وأماكن ومواضع مباركة ومقدسة حباها الله جل وعلا خاصية القداسة والشرف. اتسمت بمزية لا تشابهها مزايا أخرى تلك خصائص وميزات تثبت وتبرهن بأنها انفردت بها ومنها ما تشرفت بسبب المكين أي حط عليها أو أقام فيها سكنًا أو مثوى من هو ذو منزلة ومكانة عظيمة: (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) ـ يوسف/54
وليس بعيدا أن نوعًا من الأماكن تفضلها المجتمعات أو الأفراد لسبب أو لآخر منها ما يميز موقعها دينيا روحيا أو جغرافيا أو اقتصاديا أو علميا أو جماليا ونضارة وبهاءً.
وأخرى بسبب الارتباط النسبي والحسبي لأنها موطن الآباء والأجداد وثمة أماكن تُعد بأنها أشبه بخزانة لبعض الذكريات الجميلة خالدة الذكر وفي مقدمة أسباب الحنين إلى المكان أو الإرتباط به حين يكون قد وقعت فيه ولادة الشخص أو أمضى الشخص فيها مرحلة الطفولة مما يجعله منجذبًا غاية الإنجذاب والتعلق لذلك الموقع ولعل مثل هذا الأمر يحصل أحيانا باللاوعي .
لذلك يحدث حين يغادر الفرد مقر إقامته او مكان سكنه يتوجس بالغربة تماما وبالوحشة أيضا ويتراءى له وكأنه يعيش بانفراد وخلوة.
وتلك خلاصة تفضيل المواقع أو البقاع أو الأماكن العامة والخاصة مما يؤدي أحيانا إلى أن تحظى بتكريم وتوقير ويصل الأمر إلى أن تنسب لها القداسة وهي ليست كذلك.
وليس التفضيل والمفاضلة والتكريم مقتصرًا على الاماكن إنما امتد ليشمل الأفراد وتفضيل بعضٍ على بعض
إذ ثمة نمط من أنماط التمايز وتفضيل بعض الناس على البعض الآخر: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) ـ النحل / 71 ويبن الله سبحانه وتعالى جانبا من جوانب أسباب التفضيل والتمييز: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ـ الحجرات /13
فتارة يبين لنا القرآن الكريم أسبابًا أخرى للمفاضلة بتفضيل وتقديم فئة على أخرى وتبجيل وتعظيم من يستحق كل ذلك فيخص أهل العلم والمعرفة وأصحاب الفقه والفهم الدراية ولبيان ذلك قال جل وعلا : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) ـ المجادلة /11
تعاضدية البيئة والمكان والإنسان
ليس فينا من يجهل حقيقة إن الإنسان يولد وكأنه صفحة بيضاء لا تستقر عليها حتى نقطة واحدة أو ربما يحق لنا أن نصوره كالأرض الخصبة الطيبة الصالحة للغرس والاستعداد للتقبل أو كالغصن الطري اللين الذي ربما يتقبل التقويم والاستقامة وإن أهمل أو تُرِك ربما يكتنفه الإعوجاج . (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ـ النحل /78
ولعل المحرك الأول في الإنسان هو الفطرة: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) ـ الروم / 30
. والفطرة حين يتحقق البرهان والإثبات على أنها سليمة فإنها تكون مرشدا للإنسان أو زعيماً لسوقه إلى الميل الشديد والإنحياز للإيمان وأول ما ترشده إلى إدراك أصل التوحيد (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) والإقرار التام بالإرادة والحكمة الإلهية ويتساوق مكنونها مع بواطن وخفايا كينونة الآدمية لبني آدم وليس بعيدا وقوع الأثر من الأبوين على الولد وذلك ما يؤكده رسول الإنسانية النبي محمد صلى الله عليه واله بقوله: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه).
الإنسان في تركيبته البايلوجية
وربما تصبح الفطرة سبيلا لمجبولية الإنسان على حمل بعض السمات والتصرفات فهو يحيا مجبولا أولا على التوحيد بالله ثم على الدفاع عن نفسه وكذلك على حب الخير وكراهية الشر والرغبة لتحقيق العدل ونبذ الفساد وتقريب الصلاح . ويرى بعض العلماء أن الفطرة ليست أداة تطبيق قسري وليست السائق الوحيد للإنسان لما هو ناصح ومفيد ونافع . وعرف العلماء والمحققون فطرة الله الإسلام لذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام ملمحا لذلك:
ولدتك أمك يا بن آدم باكيا** والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل ليومك كي تكون إذا بكوا ** في يوم فقدك ضاحكًا مسرورا
فإن البيئة بأجوائها ومؤثراتها وقوة وقعها ثم تعقبها الغرائز والنزوات والشهوات والأهواء والوساوس والأماني والنزعات النفسية ربما يتسنى لكل ذلك التغلب على سلامة الفطرة وتسوق إلى الإنحراف وليس بعيدا عن ذلك قول الشاعر : إبليس والدنيا ونفسي والهوى ** كيف الخلاص وكلهم أعدائي
ومهما ترسخت الثوابت وتصلبت لعل ثمة عوامل يمكنها أن تتسرب أو تتوغل إلى عمق صلابة الفطرة فتحدث بعض الفجوات أو الثغرات وما يساعد على ذلك ما تنتجه البيئة التي يسهل عليها أحيانا تشويه صفاء الفطرة.
وحين ننوي الخوض في الحديث عن تركيبة شخصية الإنسان وعناصر وعوامل تنشئته وتربيته وترعرعه يقتضي أن نخصص حصة كبيرة للبيئة وتأثيرها المادي والمعنوي فمما لا يرقى له الشك أن للبيئة دورا مهما في صياغة مقومات الشخصية ونضوجها وبلورتها حيث تتبنى البيئة بأجوائها جانبا مهما في بناء شخصية الإنسان وتركيباتها المعنوية.
ليس للإنسان إلا ما سعى
إن الكمال الكلي والمطلق لله وحده إنما من المستطاع بلوغ درجات الكمال البشري الكلي والمطلق وهذا ما لا يتحقق إلا لدى الأنبياء والأوصياء والأولياء ويجسده الارتقاء والتسامي والترفع على ارتكاب الذنوب والإمتناع عن اقتراف المعاصي والتألق بالعظمة وبيان الإنصهار بمبدأ العصمة وبلوغ مراتبها فالمعصوم هو الكامل المكمل الذي يتجلى به الكمال.
وثمة سؤال يطرح مفاده :هل يمكن أن يوفق أي من البشر إلى أن يرقى إلى مرتبة بلوغ الكمال البشري النسبي ؟ يبدو أن ذلك ليس من السهل إنما من المتوقع أو المحتمل أن يقترب الإنسان من تلك المرتبة أي الكمال ولو بنسبة معينة تحددها الخطوط البيانية للكمال. والسؤال الآخر : إن مثل هذا الأمر يُعد من البواطن أو الخفايا التي يتعذر على العامة اكتشافه بسهولة ويسر ولكن ما يسهل ذلك هو السلوك الإنساني أي كلما يصدر ويظهر من سلوكيات الإنسان. وذلك ما يعرفنا على مستوى الإكتساب الكمالي او غيره وكم هي نسبة نضوج الشخصية وكم نسبة ضعفها.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!