البداية في مصر
صاحب القصة الطبيب الصيدلاني المصري "يوسف السعيد عبد العزيز" البالغ من العمر (44) عاما يروي حكايته لوكالة نون الخبرية قائلا ان" ولادتي من ابوين مصريين كانت في محافظة "كفر الشيخ" المصرية في العام (1981)، وكان والدي احد ابطال الصاعقة المصرية في حرب اكتوبر التي هزمت فيها مصر "الكيان الصهيوني"، وبعد انتهاء الحرب وحلول حقبة الانفتاح الاقتصادي في عهد الرئيس "انور السادات"، وخروج ملايين المصريين للبحث عن فرص عمل في الخارج، وكان والدي لا يرغب مطلقا بالسفر من اجل العمل لتوفير الاموال، وكان حرفيا يمتاز بإتقانه لاكثر من مهنة، ويتميز بأنه من محبي اهل البيت (عليهم السلام) كونه من المتصوفين وهم مريدي اهل البيت ، والجميع يعلم ان مصر اصل الدولة الفاطمية، ولأهل البيت قدسية خاصة ومقامات في مدن عدة منها مقام "سيدنا الحسين" والسيدة "زينب" في القاهرة، واولاد الامام" زين العابدين" في الاسكندرية، ومرقد السيد البدوي الذي يعود نسبه الى اهل البيت، وفي مصر يوجد شارع "الاشراف" فيه مقام للسيدة "رقية بنت الحسين"، لافتا الى ان " مصر كانت من المدن القديمة التي يحيطها سور وفيه بوابات قديمة ما زالت الى الآن منحوت عليها كتابات قديمة مثل "لا اله الا الله، محمـد رسول الله، علي ولي الله"، مثل ما موجود في العاصمة بغداد بوابات مثل الباب الشرقي وباب المعظم، وهناك عملة معدنية قديمة منقوش عليها صورة للامام علي وسيف ذو الفقار، ومن هذا المنطلق ومع توافد ملايين المصرين للعمل في العراق قرر والدي السفر الى العراق لغرض واحد هو زيارة مرقد الامام "علي"(عليه السلام) ، وكان عمري شهرا واحد وانا الوحيد للعائلة، ولان لديه معارف واقارب يسكنون في منطقة الشامية في محافظة القادسية كلف بايصال رسائل وامانات لهم من عائلاتهم، وبالفعل وصل الى العراق وزار مرقد امير المؤمنين وذهب الى الشامية والتقى بالمصريين وكانوا يعملون في معمل لانتاج "البلوك".
دعوة واستجابة
"ابو يوسف" جلس مع معارفه واقاربه وحضر صاحب المعمل وهو من عائلات الشامية المعروفة هكذا يصف الطبيب المصري ما جرى مع والده ويضيف قائلا" هذه العائلة تسمى بيت "كَوكَ الله"، وحصل بينهم محبة ومودة وكان احد الحاضرين قد التحق بالخدمة العسكرية في الحرب ولديه وكالة من شركة "الاصباغ الحديثة"، ووكالة اخرى "للزجاج" وهي واحدة من المهن التي يتقنها والدي، وهو من اعادة الزجاج الكبير الذي تضرر نتيجة القصف في معرض بغداد الدولي وعمل في عكد الجام بمنطقة "قنبر علي"، ولان المنطقة ريفية شبيهة بالبيئة المصرية في كفر الشيخ واهلها بسطاء وطيبون وهي فرصة عمل جيدة استجاب والدي لدعوة الرجل وتولى المسؤولية وادارة الوكالات والمحال، ومن هنا بدأت حكاية والدي مع العراق، واصبح احد اشهر اهالي الشامية وهو السيد "جعفر صاحب الشرع" من اعز اصدقائه، وفي عام (1985) قص والدي للسيد رؤيا بانه رآني اسقط من سطح الدار وتلقفني بيديه، فاخبره السيد اذهب باسرع وقت وأتي بولدك وامه واسكن في الشامية لانك اصبحت واحدا منا، وبسرعة غريبة جاء والدي الى مصر حتى اني لم اره سابقا وعرفتني عليه والدتي وصحبنا معه وعاد الى العراق، ومن هنا بدأت حكاية العائلة في العراق قبل اربعين عاما وعمري حينها خمس اعوام، وسكنا في احد الشقق وبدأ عمل والدي يتوسع، وعلاقاته الاجتماعية تزداد يوما بعد آخر واصبح محبوبا من قبل جميع الاهالي، وكانت طفولتي في بيئة عراقية بحتة حيث تربيت في اطيب بيوت الشامية وهم بيوت "كَوكَ الله" ، وملا نورية، وسيد صاحب الشرع، حتى اني اذكر الى الآن طارمة البيت، وكراج السيارة، وشجرة "السدرة"، والنخلة، وسوباط العنب".
مراحل الدراسة
بلغ "يوسف" السادسة من العمر والتحق بالدراسة الابتدائية ويسردها رحلته الدراسية بالقول ان" والدي سجلني في مدرسة القحطانية الابتدائية في قضاء الشامية، ومن العام (1986) لغاية العام (2003) اكملت الدراسة الابتدائية والمتوسطة والاعدادية في مدارس الشامية بمحافظة القادسية، وفي السادس العلمي انتقلت من اعدادية الشامية الى اعدادية قتيبة للمتميزين في مدينة الديوانية وتخرجت منها بمعدل (91) بالمئة، وكنت فيها طالبا مثل باقي الطلاب العراقيين ولهجتي اصبحت عراقية، وقبلت في كلية الصيدلة بجامعة الموصل حسب القبول المركزي، وفي هذه المراحل العمرية كنت طفلا عراقيا بمعنى الكلمة افعل ما يفعل الاطفال واشارك في اي امر مهما كانت خطورته فما يجري عليهم يجري علي، ومنها اتذكر ان المسير الى كربلاء كان ممنوعا، ورغم ذلك فأن هناك زوار يسيرون نحو كربلاء فكنت اشارك جيراني وابنائهم في اعداد الطعام وتوزيعه على "المشاية" عبر التنقل بالسيارة في البساتين بالخلسة، رغم خطورة العمل كون زبانية النظام يلقون القبض على من يطعم او يأوي "المشاية"، وكثيرا ما تعرضنا للخطر لكن لا نبالي، وكنت اذوب في هذه الاجواء واشعر اني مع اهلي وعشيرتي واتحمل مسؤوليتي، كما اتذكر عندما اغتيل المرجع الديني السيد "محمـد صادق الصدر" كنت طالبا في الاعدادية، وعائلتي هي من علمتني على الالتزام الديني، وكان للمرجع اتباع ومريدين كثيرين وجاء احد اصدقاء الى والدي واخبره انه سيذهب الى النجف لحضور تشييع او دفن السيد "الصدر" فذهبت معه وشاهدت الارتال العسكرين والاستنفار الامني والرعب والخوف، ووصلنا الى القبر وشاركنا الناس بالعزاء، رغم ان الموقف خطر جدا، كما كانت الشعائر الحسينية ممنوعة لكننا نمارسها في السيارة التي نسافر بها من الديوانية الى النجف او كربلاء ويقرأ احد الرواديد القصائد ونحن معه ونتوقف ونظهر بصورة المسافرين العاديين عندما نقترب من السيطرات الامنية، وفي كربلاء نشارك في موكب اهل الشامية، وفي احد سنوات التسعينات سمح النظام المقبور بممارسة الشعائر، وشارك والدي ومجموعة من اهل المنطقة باعداد الطعام والشراب ووزعناه بسيارته الشخصية على "المشاية".
موقف اهل الشامية
يشرح الطبيب "يوسف" موقفا حصل مع والده ويقول "وصل خبر وفاة جدي الى والدي في منطقة الشامية وكان يصعب عليه السفر فانزوى في غرفة وبدأ بالبكاء، فأخبرت صديقه عمي "ابو سيف"، وعلى الفور جاء بيافطة تشير الى وفاة جدي ووضعها على باب منزلنا ونصب اهل الشامية خيمة العزاء لمدة ثلاثة ايام امام محل والدي التي تصل مساحته الى (300) متر في شارع البلداوي الذي غص بالمعزين كما نصبت خيمة اخرى على السطح، وحضر قارئ قرآن، وكان والدي حينها قد اصبح تاجرا معروفا لديه علاقات بتجار من المحافظة وغيرها من المحافظات وبطلبة الحوزة الدينية في النجف الاشرف، وكان الحضور غفير، بل حتى مسؤولين في النظام المباد حضروا، واقام احد طلبة الحوزة مجلسا حسينيا وفيه نعي مع وجود المنع، وكنا سببا في احياء ذكر الامام الحسين (عليه السلام) وهذا الموقف اثر كثيرا في نفوس عائلتنا جميعها، وايقنا ان من يزرع الخير يحصده، وكانت والدتي تشارك في الزيارات التي تسمى "دورة" التي تتضمن زيارات جميع المراقد في مجموعة من المحافظات خلال اربعة ايام وتحضر المجالس الحسينية النسائية".
الكليات والتخرج
في عام (2000) دخل "يوسف" الى كلية الصيدلة في محافظة نينوى الا انه صدم بالأجواء الجديدة، ويبين هذا الامر بالقول ان" البيئة صارت مختلفة علي لاني بقيت وحدي دون معارف او اصدقاء، وجاء معي والدي ليختار فندق خدماه جيدة في منطقة الدواسة وأوصي اصحاب الفندق على الاهتمام بي، وتقع مقابله حديقة الشهداء الجميلة، وصارت حياتي رتيبة بين دوامي وطعامي وجلوسي في جامع النبي يونس والحديقة، وبقيت لمدة شهر وشعرت بالاختناق لاني وجدت ناس يختلفون عن بيئة الشامية، وانتقلت من جامعة الموصل الى جامعة بغداد، ووجدت في الكلية خليط عراقي بامتياز، وبطبعي الاجتماعي كانت علاقاتي طيبة مع الجميع، وبقيت على جنسيتي المصرية لان هناك شروط بالانضمام الى حزب البعث مقابل منح الجنسية وكان والدي يرفض ذلك ويعطي كثير من الامور مقابل ان لا يصبح حزبيا، وعندما سألته عن السبب قال لي بلهجته المصرية المحببة "يا بني انت سفير بلدك ان عملت حاجة حلوة يقولوا المصريين عملوا، ولو عملت حاجة وحشه بردوا حيقولو المصريين عملوا مش حيقولو يوسف او ابوه".
متغيرات في الحياة
تخرج الطبيب المصري من كليته عام (2004) وبدأ حياته العملية ويصفها بالقول انا" لم ارى مصر او اعرفها كوني جئت طفلا صغيرا فقررت ان اعود لها واتعرف على اعمامي واقاربي وارى دولتي، وكانت رحلة غير موفقة لاني لم اجد الصدر الرحب او الاحتضان، وكأن المقولة المشهورة "البعيد عن العين بعيد عن القلب"، وكذلك واجهتني صعوبة العودة الى لعراق بسبب مشكلة الالتحاق بالخدمة العسكرية في مصر لاني في سن التجنيد، وبقيت لمدة ستة اشهر حتى اثبت اني ادرس في كلية الصيدلة بجامعة بغداد في مصر بسبب الوضع في العراق والتخريب الذي لحق بالمؤسسات ومنها الجامعات بعد سقوط النظام المباد، وضاعت علي سنة دراسية في الكلية وعند عودتي ضاعت علي سنة ثانية، وعادت عائلتي الى مصر وقدمت اوراقي الى جامعة الاسكندرية في كلية الصيدلة وافتخر ان قبولي تم على اساس دراستي في جامعة بغداد العريقة، رغم ان المعدل في الاسكندرية تقبل من (95) صعودا، وكنت اشعر بالتعب واختلاف البيئة حتى كان الطلبة يطلقون علي لقب "الواد العراقي" بسبب مخارج حروف اللغة العربية الصحيحة التي تنطق باللهجة العراقية، وكانت السنوات التسعة من اصعب السنوات التي عشتها في حياتي، رغم ان المصريين لا ينكرون الجميل ويحبون العراقيين، وافتتح العراقيون في الاسكندرية مقهى البغدادي وبسرعة انضممت لهم وصرت احد اصدقائهم ونأشاركهم في المناسبات الخاصة بهم، وقررت العودة للعراق ووالدي كان على رأيي، وبتدبير الله التقيت بشابة عراقية تدرس في مصر وكنت ذاهبا لخطوبة فتاة مصرية في محافظة "بور سعيد" ودخلنا مطعم وسمعت الفتاة العراقية تتكلم بالهاتف باللهجة العراقية وفهمت من كلامها انها تطلب منهم الدعاء عند امير المؤمنين في النجف الاشرف، وكانت هذه الفتاة من محافظة كربلاء المقدسة نقطة التحول الجديدة في حياتي لاني خطبتها وصارت من بعدها زوجتي في العام (2010)، بعد ان جئنا انا ووالدي ومعنا وجهاء من اهل الشامية وخطبناها واجرينا عقد زواجنا في العتبة العباسية المقدسة، وعدت الى العراق في العام (2013) وعمل والدي في محل وعملت في صيدليات اهلية في مجال شركات الادوية، وبعد ثلاث سنوات تدهورت حالة والدي الصحية وعاد الى مصر، وجئت الى كربلاء المقدسة لفتح بيت والعمل ووجدت عمل في شارع الاسكان كمندوب تسويق الدواء لشركات ادوية مشهورة وتقلدت مناصب فيها ومنها في العاصمة بغداد، وكانت امنيتي ان اعمل في مستشفى الامام زين العابدين (عليه السلام) وهو اسم عزيز على قلبي ووالدي توفى في مقامه بمصر وهو يصلي في التكية التي افتتحها هناك، وكانت من احلامي ان اعمل في مؤسسة وارث لان والدتي توفت بمرض الاورام ولرغبتي في مساعدة من يشكو من نفس المرض، وعملت معهم مورد واستطعت مرة ان انقذ طفلة من الموت بعد جلبته لها من بغداد بقيادة سيارتي الشخصية بسرعة قصوى، وحطت بي الايام في هيئة الصحة حيث تقدم الخدمة لجميع المستشفيات التي تمنيت العمل بها".








التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!