RSS
2026-05-24 16:34:31

ابحث في الموقع

شيعة لبنان وهاجس الإلغاء

شيعة لبنان وهاجس الإلغاء
بقلم: علي رضا ناصر الدين

لا تُقرأ الأحداث منفصلة عن بعضها، ولا تُفهم التصريحات السياسية بمعزل عن السياق التاريخي العميق الذي يحكم وعي الجماعات اللبنانية. لذلك، فإنّ جمع الوقائع الأخيرة في مشهد واحد يقود إلى نتيجة خطيرة في نظر شريحة واسعة من الشيعة اللبنانيين: نحن أمام مشروع متكامل لإعادة رسم التوازنات في لبنان والمنطقة، عنوانه الظاهر المواجهة مع إيران وحزب الله، لكن جوهره إعادة تشكيل الشيعة أنفسهم سياسياً وعقائدياً وديموغرافياً.

من هنا، لا يبدو الحديث المتزايد عن إسقاط النظام في إيران بالنسبة إلى البيئة الشيعية مجرد نقاش جيوسياسي عابر، بل يُنظر إليه بوصفه محاولة لضرب آخر مظلة إقليمية شكّلت عنصر حماية للشيعة بعد قرون طويلة من التهميش والاستباحة. فالشيعة الذين عاشوا مراحل القتل والإقصاء منذ زمن أحمد باشا الجزار، مروراً بعقود الحرمان في لبنان الحديث، لا يتعاملون مع إيران كحليف سياسي فقط، بل كضمانة توازن تمنع عودتهم إلى زمن العزلة والخوف.

وفي هذا السياق، جاءت مواقف السفير الأميركي ميشال عيسى من على منبر بكركي لتُقرأ داخل البيئة الشيعية كإشارة سياسية تتجاوز حدود اللياقات الدبلوماسية التقليدية. فالرجل لم يكتفِ بإعلان دعمه للبطريركية المارونية، بل قال حرفياً: «هل نتنياهو بعبع؟ هو مفاوض ثانٍ»، معتبراً أنّ اللقاء مع رئيس حكومة الاحتلال ليس «تنازلاً أو خسارة». ولم تتوقف الرسائل عند هذا الحد، بل قال، في سياق الحديث عن الرافضين لهذا المسار: «فليرحلوا».

وبغضّ النظر عن تفسير العبارة أو سياقها الكامل، فإنّ وقعها داخل البيئة الشيعية كان بالغ الخطورة، لأنّها أعادت إحياء أعمق الهواجس التاريخية لدى الشيعة اللبنانيين: هاجس الاقتلاع والإلغاء والترحيل.

فهذا الكلام، بالنسبة إلى قسم كبير من الشيعة، لا يُفهم فقط كدعوة إلى تغيير سياسي أو إلى إعادة تموضع لبنان إقليمياً، بل كإشارة إلى أنّ المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة إعادة تشكيل البلد على قاعدة إخراج أو كسر كلّ مكوّن يرفض الانخراط في المشروع الجديد.

الأخطر من ذلك، أنّ هذا الكلام جاء من على منبر بكركي تحديداً، أي من قلب المؤسسة التي ينظر إليها كثيرون باعتبارها التعبير الأوضح عن الدولة العميقة في لبنان، بما تمثّله تاريخياً من مرجعية سياسية وثقافية للطائفة المارونية، ودورها المركزي في صياغة الكيان اللبناني منذ نشأته.

ثم جاءت مواقف رئيس حزب الكتائب لتضيف طبقة جديدة من القلق داخل البيئة الشيعية، وخصوصاً حين انتقل الخطاب من مواجهة حزب أو مشروع سياسي إلى الحديث عن العقيدة نفسها. فعندما يصبح الصراع مع العقيدة الشيعية لا مع الخيارات السياسية للشيعة، فإنّ الرسالة التي تصل إلى جمهور واسع تصبح واضحة: المطلوب ليس فقط تفكيك القوة العسكرية أو السياسية، بل إعادة إنتاج شيعي جديد يتناسب مع التصور الذي تريده المنظومة اللبنانية التقليدية.

ومن هنا، بدأت تتكرّس لدى كثيرين قناعة بأنّ ما يجري ليس مجرد ضغط سياسي ظرفي، بل مشروع متكامل يقوم على ثلاث مراحل مترابطة:

أولاً: إسقاط إيران أو إضعافها إلى الحد الذي تفقد فيه قدرتها على حماية حلفائها.

ثانياً: محاصرة القوة الشيعية في لبنان سياسياً وأمنياً واقتصادياً وديموغرافياً، بما يدفع القسم الأكبر من الشيعة نحو الهجرة أو الخروج التدريجي من مناطق نفوذهم تحت ضغط الانهيار والحصار والخوف.

ثالثاً: إعادة تشكيل من يبقى من الشيعة داخل لبنان ضمن نموذج شيعي مقبول، منزوع من عناصر القوة والسيادة والمقاومة، ومتكيّف مع رؤية الدولة العميقة اللبنانية وتوازناتها التقليدية.

وفي هذا المناخ، تُقرأ أيضاً الحملات السياسية المتصاعدة ضد السفير الإيراني، والحديث عن طرده أو اعتبار نشاطه غير مشروع، بالتوازي مع مواقف رئيس الحكومة التي اعتبرت بعض الأنشطة المرتبطة به مخالفة للأصول الدبلوماسية. بالنسبة إلى جمهور واسع من الشيعة، لا ينظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها مجرد تنظيم للعلاقات الدبلوماسية، بل كجزء من مسار أشمل يهدف إلى تجفيف أي مصدر قوة أو حماية خارجية لهم.

قد يعتبر البعض هذا التحليل مبالغاً فيه، لكنّ ذاكرة الجماعات في لبنان لا تُبنى على الوقائع الحالية فقط، بل على تاريخ طويل من الخوف المتبادل والتجارب الدموية والانقلابات في موازين القوى. ولذلك، فإنّ أي اختلال كبير في التوازن الإقليمي يثير تلقائياً هواجس وجودية لدى الطوائف، وخصوصاً لدى الشيعة الذين عاشوا طويلاً بلا حماية ولا شراكة فعلية في الدولة.

وأخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان اليوم هو الانتقال من الخلاف السياسي إلى منطق إعادة هندسة الجماعات. فالأوطان لا تُبنى عبر محاولة إخضاع مكوّن أو إعادة صياغة عقيدته وهويته بما يناسب ميزان القوى الجديد، بل ببناء دولة يشعر فيها الجميع أنّهم شركاء متساوون في الحقوق والأمان والكرامة.

أما إذا استمرّ اللبنانيون في إدارة بلدهم بمنطق الغلبة، فإنّ كل طائفة ستبقى تبحث عن حمايتها الخارجية، وسيبقى الوطن مجرّد هدنة هشّة بين مخاوف متقابلة تنتظر لحظة الانفجار التالية.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!