RSS
2026-05-10 07:32:33

ابحث في الموقع

ويظلُّ المواطنُ طوقَ النجاةِ في كلِّ أزمةٍ

ويظلُّ المواطنُ طوقَ النجاةِ في كلِّ أزمةٍ
بقلم:حيدر عاشور

من سنن الحياة ومشيئة الخالق أن يولد الناس بظروف متباينة؛ فمنهم من يولد في رغد، ومنهم من يستقبله الفقر والجوع والمرض ليلازمه الشقاء. ورغم هذه المعاناة، يتمسك هؤلاء بالحياة ويتشبثون بالأمل، ساعين بكل ما أوتوا من قوة لتأمين قوت يومهم. ونحن اليوم نعيش في عصر الانفتاح على شؤون الدين والدنيا، حيث نستشرف المستقبل عبر منصات التواصل الاجتماعي ومختلف القنوات الإعلامية، متمسكين في الوقت ذاته بإيماننا بالآخرة ويوم الحساب. وفي خضم هذا الضجيج الفكري، نرى عبر مختلف الوسائل الإعلامية تناقضاً بين ما يظهر في الواقع وما يُخفى، وما يتخلل ذلك من أساليب الغش والخداع.

يشيع بين الناس أن الحكومات تسعى جاهدة لسحب أموالهم بطرق غير مباشرة، مستخدمة أساليب فنية وقانونية متنوعة، وذلك بعد أن يستنزفها منهم الملاك وأصحاب العقارات والمنتجعات الترفيهية والسكنية، بالإضافة إلى التجار والمستوردين بشكل مباشر. والجميع يتفقون على أن موجة الغلاء تبدأ من قوت الفقراء، بدءاً بأسواق الخضار ووصولاً إلى المواد التموينية الأساسية.

لا تفتقر حكوماتنا إلى الأساليب؛ وأكبر دليل على ذلك ما نشهده من أزمات متلاحقة في البنزين، والكهرباء، والغاز، والنفط، والزحام المروري، وضرائب الـ (كي كارد) وغيرها. فما إن تلوح أزمة حتى تطل علينا الحكومة بطلعتها البهية لتفرض ضرائب بذريعة مساعدة الناس على تجاوزها، وكأنها تفرض ضريبة لكل أزمة، أو ربما -بمعنى أدق- تساعد الأزمة على استنزاف الناس. وفي خضم ذلك، يتوسع نظام الدفع الإلكتروني ويتجدد بدعوى خدمة المواطنين الفقراء، لكن ما إن تنتهي الأزمة حتى تصبح تلك الزيادات -التي اتخذت مسميات أخرى غير الضرائب- التزاماً أبدياً. وهكذا، توالت الأزمات التي لم تكن في بدايتها سوى عابرة، فرحل من عاصرها بين وفاتٍ أو هجرةٍ بحثاً عن حياة أفضل، هرباً من واقعٍ أثقل كاهلهم.

تبنى صحفيون وأصحاب منصات إعلامية أخرى ملف الأزمات، وفضحوا استغلال بعض ذوي النفوذ السياسي لها لنهب الأموال؛ فكانت النتيجة أن تلاشت كل أطراف الأزمة، بينما بقيت الأسعار مرتفعة كضريبة مستمرة حتى يومنا هذا. لقد اكتوى الناس بنيران الأزمات، وساهمت الحكومة في تصعيد الأسعار كأنها ضريبة أو فدية تُجبى من المواطن مقابل صمته وقبوله بالواقع. وعند المقارنة بين الأزمات العابرة التي مرت بالبلاد وبين وتيرة ارتفاع الأسعار الحكومية والخاصة، نجد أن الأسعار بقيت مرتفعة دون أي تراجع؛ في حين يزداد المواطن الفقير تمسكاً بوطنه، يزداد الأغنياء جشعاً وتفريطاً فيه، رغم أنهم الأكثر ثراءً والأقل احتياجاً.

والبعضُ ممن هم في الحكومات الذين يساعدون على تصعيد الأسعار بأساليب ملتوية وغشاشة وغبية، أفضّلُ عليها ألفَ مرةٍ ذلك الوالي الأعرابي الصريح الذي علم أن في مدينته يهوداً أثرياءَ وفقراءَ، فجمع الأغنياءَ منهم وقال لهم:

- من خاصم وحارب المسيح عيسى بن مريم؟.

- قالوا: نحن خاصمناه وحاربناه!.

- وقال الوالي: من صلب المسيح؟

- قالوا: نحن صلبناه!.

- قال: ومن قتله؟.

- قالوا: نحن قتلناه!.

- قال الوالي الأعرابي: لا بأس عليكم، فهل دفعتم دية قتل المسيح..؟.

- قالوا: لا، لم ندفع!.

- فقال لهم: والله لن تخرجوا من هنا أحياءً إلا إذا دفعتم لي دية قتل المسيح عيسى بن مريم، أتقتلون نبيّاً من أولي العزم ولا تكفّرون عما فعلتم؟!.

هذا الوالي الأعرابي في نظري القاصر فعل مثل بعض أصحاب الشأن في الحكومة الذين يجدون دائماً ما يمكنهم من الحصول على الدولار الأمريكي، عفواً الدينار العراقي، الذي في جيوب الناس. إلا أن هذا الوالي الأعرابي يمتاز بفضائل غير موجودة في مسؤولي حكوماتنا اللاحقة والسابقة؛ فهذا الوالي صريح لا يوارب ولا ينافق ولا يتآمر ولا ينتظر أزمات ولا يخطط لافتعالها كي يأخذ ما في جيوب الناس، ولا يصرح بعين ذبلة تحسساً للوطنية وتعبيراً عن الخدمات الوطنية والإنسانية كما يفعل أصحاب الحكومات بمسؤوليها المحنكين سياسيّاً وأغنياءَ اقتصاديّاً واجتماعيّاً.

فرض الوالي الأعرابي ضريبةً مباشرةً ومحددةً على رعاياه، مترفعاً عن اتباع الأساليب الملتوية لفرض ضرائب مستترة تُثقل كاهل الفقراء وتزيد الأغنياء ثراءً. وقد اقتصرت هذه الضريبة على الأثرياء دون الفقراء، أو ذوي الدخل المحدود، أو المتقاعدين، أو عائلات الشهداء والمنكوبين الذين ضحوا بأرواحهم فداءً للوطن. لقد أخذ الوالي من اليهود دية المسيح مرة واحدة، بينما تُؤخذ في بلادنا باستمرار عبر بيع الأراضي، والمتاجرة بمنح التجمعات السكنية لأصحاب الأموال ومشاركتهم، وبيع شوارع البلاد لهيئات تجبي الضرائب من سائقي سيارات الأجرة؛ حيث تُستهدف السيارات الصفراء دون غيرها، رغم أن السيارات الأخرى التي تعمل لأغراض تجارية بصفة شخصية يملكها أثرياء ينافسون سائقي الأجرة في رزقهم، وهو لون من الظلم الذي يمنح الأفضلية لمن لا يدفع الضريبة على حساب من يلتزم بدفعها.

فالمواطنون الذين مستهم الأزمات مباشرةً يدفعون الضرائب المستترة كل يوم وإلى الأبد، لكي يغتني الغني، وتُسدَّد رواتب جيوشٍ من الموظفين غير الصالحين لخدمة الوطن، والصالحين لخدمة الحكومة. فالضرائب غير المباشرة التي يخترعها أصحاب العقول التجارية السياسية في البلاد ويفرضونها على الشعب المحتار في زمانه، الذي لا يأمن حاضره ولا غده، والذي وقفت حكوماته ضده إلى جانب الأزمات، مما جعل الضرائب تتزايد عليه مع كل عهد، والتي تفرضها السياسة على كل شيء يحتاج إليه الفقير في كل مناسبة وبدون مناسبة، هي نوع من الابتزاز المخطط له وفق القانون، وهذا في قانون الآخر يُعد قرصنة مهذبة، والفرق بين القرصنة وتلك هو أن قراصنة الأموال يغشون وينصبون ويخططون في كل شيء محرم وغير محرم، وهم يقاومون الأهوال ويدفعون الرشاوى الضخمة لدفع الخطر والالتفاف على القانون، ويتذرع السياسيون بشعارات القانون والتنمية والازدهار لابتزاز الفقراء تحت غطاءٍ رسمي.




المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!