قصور أم تقصير؟
ويقول عمران الكركوشي، عضو ائتلاف دولة القانون، إن “ديوان الرقابة المالية الاتحادي يعد مؤسسة مهنية رفيعة المستوى وفق المعايير الدولية (الإنتوساي)، ويؤدي دوراً رقابياً أساسياً يتمثل في الرقابة اللاحقة، وأحياناً المقارنة والتقييم، إلى جانب كشف الخروقات الإدارية والمالية وإصدار التوصيات”، عاداً “تكرار حالات الهدر والفساد لا يعود في الغالب إلى قصور جوهري في كفاءة الديوان، وإنما يرتبط بجملة من العوامل”.
ويوضح، أن “تقارير ديوان الرقابة المالية تحمل طابع التوصيات والإحالات القانونية، ولا يمتلك الديوان صلاحية إصدار مذكرات قبض أو تنفيذ أحكام قضائية مباشرة، وإنما يعتمد على إحالة الملفات إلى هيئة النزاهة أو الادعاء العام أو المحاكم المختصة”، معتبراً أن “بطء إجراءات التحقيق والتقاضي يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخر حسم الملفات، الأمر الذي يمنح المتورطين فرصة لإخفاء الأدلة أو الالتفاف على النصوص القانونية”.
ويتابع، أن “الكثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية تتعامل مع ملاحظات الديوان ببرود إداري، أو تكتفي بردود شكلية من دون تصحيح فعلي للمسار المالي، في ظل غياب عقوبات رادعة وفورية بحق المسؤولين المقصرين في معالجة تلك المخالفات”.
التقارير الرقابية
وفيما يتعلق بدوافع مجلس النواب لفتح هذا الملف في الوقت الحالي، يرى الكركوشي أن “ذلك يأتي انسجاماً مع التوجهات الحكومية ضمن برنامج مكافحة الفساد واسترداد الأموال، إذ تحاول المؤسسة التشريعية إسناد الجهود التنفيذية عبر تسليط الضوء على مكامن الخلل المالي”، لافتاً إلى أن “تراكم التقارير الرقابية وما تضمنته من مخالفات وأموال عامة مهدورة أو مجمدة خلق ضغطاً برلمانياً وإعلامياً يستدعي المساءلة والوقوف على أسباب عدم حسم تلك الملفات”.
ويردف، أن “حجم الإنفاق المالي الكبير في الموازنات الثلاثية عزز الحاجة إلى رقابة برلمانية أكبر للتأكد من فاعلية أدوات الرقابة الوقائية ومنع استنزاف المال العام قبل وقوع أية أزمات مالية”.
الخطوط الحمراء
ويؤكد الكركوشي، أن “المشكلة في العراق لا تكمن في نقص التشريعات أو القوانين الرقابية، إذ إن قانون ديوان الرقابة المالية رقم 31 لسنة 2011 المعدل، إلى جانب قوانين هيئة النزاهة وقانون العقوبات، تشكل منظومة قانونية رصينة نسبيا، إلا أن الأزمة الحقيقية تتمثل في الإرادة السياسية والتنفيذية”.
ويكمل، أن التقارير الرقابية كثيراً ما تصطدم بما وصفه بـ”الخطوط الحمراء” السياسية، إذ تحظى بعض الوزارات والجهات الحكومية بحماية حزبية أو سياسية تحول دون اتخاذ إجراءات صارمة بحق القيادات المتورطة في الهدر أو الفساد.
ويختتم الكركوشي بالقول، إن “هناك مطالبات جادة من قوى ونخب سياسية ومهنية لتعزيز استقلالية ديوان الرقابة المالية وربطه بشكل مباشر بمجلس النواب، ومنحه صلاحيات وآليات تنفيذية وإلزامية أوسع، من بينها تعليق الصرف المالي للمؤسسات المخالفة فورا، بما يضمن عدم بقاء تقاريره حبراً على ورق”.
وبدأت القضية مع تصاعد الحديث عن أداء مكاتب ديوان الرقابة المالية في الوزارات والدوائر الحكومية، وبعد اتهامات وجهت لها بعدم أداء دورها الرقابي بالشكل المطلوب منذ سنوات، مع وجود حالات تواطؤ تمثلت في التكتم على بعض ملفات الفساد وعدم التعامل معها وفقا للأطر القانوني، شملت قطاعات الدفاع والتجارة والطاقة والتعاقدات الحكومية، فضلاً عن تجاوزات في الامتيازات المالية واليات حسم عدد من قضايا الفساد، الأمر الذي أعاد ملف الرقابة المالية إلى واجهة النقاش السياسي والرقابي.
رقابة لاحقة لا سابقة
من جهته، يقول محمد رحيم الربيعي، رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة وعضو الائتلاف العالمي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، إن “الدور الحقيقي الذي يفترض أن يؤديه ديوان الرقابة المالية يتمثل في تشخيص المخالفات، وتدقيق الأنشطة المختلفة، وتقييم مستوى تقديم الخدمات في جميع مؤسسات الدولة، إلا أن الديوان تأثر بالصراعات السياسية وغياب الجدية، فضلا عن ضعف استقلاليته المالية، وهو ما أضعف أداءه في مكافحة الفساد”.
ويضيف الربيعي، أن “من أبرز نقاط الضعف التي تواجه عمل ديوان الرقابة المالية محدودية صلاحياته، إلى جانب وجود فجوة في قانون الديوان”، موضحاً أن “إجراءاته تقتصر على الرقابة اللاحقة لا السابقة، ما يعني أن دوره يبدأ بعد وقوع الفساد، وهو ما يمثل إحدى أبرز الإشكاليات في منظومة الرقابة”.
غياب الصلاحيات العقابية
ويشير الربيعي إلى أن “تعديل قانون الديوان لا يزال متعثراً داخل مجلس النواب، كما أن ضعف الاستقلالية المالية، إلى جانب عدم التزام الجهات الحكومية بتنفيذ توصيات الديوان، يحدان من فاعلية دوره”، مؤكداً أن “الديوان لا يمتلك صلاحية فرض عقوبات على الجهات الخاضعة لرقابته، سواء كانت من مؤسسات القطاع العام أو النقابات أو الاتحادات أو غيرها من الجهات المشمولة برقابته”.
ويتابع، أن “غياب صلاحية فرض العقوبات يسهل على المتورطين في منظومة الفساد عدم الالتزام بتوصيات ديوان الرقابة المالية، الأمر الذي يضعف أثر التقارير الرقابية ويحد من قدرتها على معالجة المخالفات بصورة فعالة”.
سياسة الهروب إلى الأمام
وفيما يتعلق بالاهتمام النيابي الحالي بملف ديوان الرقابة المالية، يعتبر الربيعي أن هذا الحراك يبدو ظاهرياً وكأنه يعكس توجهاً لتعزيز الرقابة ومكافحة الفساد، إلا أنه على أرض الواقع يرتبط بالصراع السياسي وتبادل الضغوط بين القوى المتنافسة، وليس بالتنافس على خدمة المجتمع، وإنما بمحاولات الهروب من ملفات المساءلة التي أثارها القضاء وفتحها خلال الفترة الأخيرة.
ويعتقد، أن “تبادل الاتهامات بالفساد والضغط على الجهات الرقابية يمثل تطبيقاً لسياسة الهروب إلى الأمام، بدلاً من مراجعة القوانين والأنظمة والتعليمات المنظمة لعمل الجهات الرقابية، والمساهمة في تعديلها، إلى جانب تعديل القوانين النافذة، وتشريع قوانين جديدة، وتفعيل تطبيق القوانين القائمة، وهو ما يعد الدور الأساسي للسلطة التشريعية”.
ويختتم الربيعي بالقول، إن” بناء منظومة متكاملة لمكافحة الفساد يتطلب تكامل الأدوار بين السلطات التشريعية والرقابية والتنفيذية، بإشراف القضاء، وبمساندة المجتمع المدني والإعلام والمجتمع العراقي، في حين إن الآليات الحالية لا تعطي انطباعا بوجود توجه حقيقي لدى السلطة التشريعية نحو مكافحة الفساد”.
وناقش مجلس النواب، الثلاثاء الماضي، تقرير ديوان الرقابة المالية الاتحادي لعام 2025 بشأن مساهمة الديوان في ردع ومكافحة الفساد، بحضور رئيس الديوان والوفد المرافق له، في جلسة ركزت على تقييم الدور الرقابي ومتابعة مخرجات التقارير الرسمية المتعلقة بالمال العام.
عائلات متنفذة
وبعد أيام، أعلن النائب عن كتلة الحكمة النيابية أحمد الساعدي، خلال مؤتمر صحفي عقده في مبنى مجلس النواب، استكمال ملف يتعلق بشبهات فساد إداري ومالي في مكاتب ديوان الرقابة المالية، مؤكداً أن “ديوان الرقابة المالية بحاجة إلى رقابة بالأسماء والأرقام”، وأن الملف سيعرض على الرأي العام، مع توجيه كتب رسمية إلى هيئة النزاهة والادعاء العام لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وأشار الساعدي إلى أن عائلات كاملة مقربة من متنفذين داخل ديوان الرقابة المالية حصلت على امتيازات نتيجة استغلال المنصب وتحقيق المصالح الشخصية، مثل بناية ديوان الرقابة المالية التي تستغل بعد انتهاء الدوام الرسمي. في اتهامات عدها جزءاً من ملف سيعرض للرأي العام والجهات المختصة.
وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه الحكومة العراقية قد أطلقت في 28 حزيران الماضي، حملة لمكافحة الفساد وصفتها بأنها “المرحلة الأولى” لاسترداد المال العام، وشملت اعتقال مسؤولين وسياسيين ونواب ورجال أعمال ضمن عملية “صولة الفجر”، قبل أن تعلن لاحقاً استمرار الإجراءات القانونية ضمن مراحل جديدة تستهدف ملفات فساد إضافية.
وبين تقارير رقابية متراكمة، واتهامات نيابية، وتحركات حكومية وقضائية متواصلة، يجد ديوان الرقابة المالية نفسه في قلب اختبار جديد يتعلق بفاعلية أدوات الرقابة على المال العام، فيما يبقى حسم هذه الاتهامات مرهوناً بما ستسفر عنه التحقيقات والإجراءات القانونية التي ستتخذها الجهات المختصة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!