ويصف مختصون الظاهرة بأنها أحد التحديات الصحية الأكثر خطورة التي تواجه المجتمع العراقي في ظل ضعف الرقابة واتساع دائرة التأثير التي يملكها مشاهير الإنترنت.
من بغداد، يقول الشاب عبد الله هاشم (23 سنة): "أنفقت مبالغ مالية على منتجات لإنبات الشعر وعلاج الصلع بعدما شاهدت إعلانات متكررة عبر الإنترنت، لكن هذه المنتجات لم تحقق أي نتائج. واضح أن بعض المؤثرين يستغلون ثقة الجمهور لتحقيق مكاسب مالية من دون الإكتراث لاحتمال حصول أَضرار صحية أو تكبد خسائر مادية".
من جهتها، اشترت أم ياسر (33 سنة)، وهي موظفة حكومية، قبل أشهر منتجاً للتنحيف بعدما شاهدت إعلاناً نشره أحد المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي. وتقول: "تضمن الإعلان وعوداً بخسارة الوزن خلال فترة قصيرة من دون آثار جانبية، ثم انتهت تجربة المنتج بمواجهة مشكلات صحية اضطرتني إلى مراجعة طبيب متخصص، واكتشفت لاحقاً أن المنتج لم يحصل على موافقات صحية رسمية كما كنت أعتقد".
واللافت أن الظاهرة تتجاوز حدود مستحضرات التجميل، إذ تنتشر أيضاً إعلانات لمكملات غذائية وأدوية مجهولة المصدر، وغالباً ما تسوّق بعبارات جذابة تستهدف فئة الشباب والمراهقين الباحثين عن حلول سريعة لمشكلاتهم الصحية أو الشكلية.
يقول الناشط في مجال التوعية الصحية براء السلماني: "ما يحدث فوضى صحية حقيقية. يؤدي بعض المؤثرين عملياً دور الأطباء والصيادلة من خلال تقديم توصيات مباشرة للجمهور في شأن منتجات لا يملكون أي اختصاص علمي للحكم عليها، والمشكلة لا تتعلق بهم فقط، بل أيضاً بالشركات والجهات التجارية التي وجدت في مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة للوصول إلى الجمهور بعيداً عن الضوابط التقليدية التي تحكم الإعلان عن الأدوية والمنتجات الصحية. غياب الرقابة الفعّالة والعقوبات الرادعة وسّع الظاهرة خلال السنوات الأخيرة، وينبغي وضع آليات واضحة لمحاسبة كل من يروج منتجات طبية أو صحية من دون تراخيص".
وتؤكد وزارة الصحة العراقية عبر بيانات وتحذيرات رسمية ضرورة عدم شراء أدوية أو مستحضرات صحية من مصادر غير معتمدة، وتدعو المواطنين إلى الاعتماد على المؤسسات الصحية والصيدليات المرخصة، محذرة من المنتجات التي تسوّق عبر الإنترنت من دون موافقات أو رقابة مختبرية.
بدوره، يؤكد طبيب الأمراض الجلدية، عادل مكي، "تزايد اعتماد المواطنين على النصائح الصحية المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بدلاً من استشارة أطباء متخصصين، ما يفتح الباب أمام انتشار معلومات غير دقيقة وممارسات قد تضرّ بالصحة العامة". ويرى أن "بعض الإعلانات تستغل معاناة الناس من السُمنة أو الصلع أو مشكلات البشرة وغيرها لتسويق منتجات بوعود غير مرخصة، في حين أن علاج هذه الحالات يحتاج إلى تشخيص طبي ومتابعة متخصصة، وليس إلى وصفات جاهزة تقدم عبر شاشات الهواتف".
وتبرز خطورة الظاهرة في بلد يشهد توسعاً متسارعاً في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، ويقول مراقبون إن الظاهرة تكشف وجود فجوة بين سرعة انتشار المنتجات عبر الإنترنت وقدرة الجهات الرقابية على متابعتها، خصوصاً مع استمرار ظهور مئات الصفحات والحسابات الجديدة.
وتدعو نقابة الأطباء العراقية إلى تعزيز الثقافة الصحية لدى المواطنين والاعتماد على الاستشارة الطبية المتخصصة، محذرة من خطورة الحصول على معلومات خاصة بالعلاج أو التشخيص من أشخاص غير مؤهلين علمياً، مهما كانت شهرتهم أو عدد متابعيهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
ومع اتساع الظاهرة تتصاعد مطالبات الأطباء والناشطين والمواطنين بضرورة تبني إجراءات أكثر حزماً تشمل مراقبة المحتوى الإعلاني الصحي على المنصات الرقمية، وإلزام المروجين بإبراز الموافقات الرسمية للمنتجات، إضافة إلى فرض عقوبات قانونية على من يثبت تورطهم في تسويق أدوية أو مستحضرات غير مرخصة.
وعلى الصعيد القانوني يخلو العراق من القوانين الواضحة التي تجرّم ترويج هذه الأدوية، كما لا رقابة صارمة على المؤثرين الذين يسوّقون لها، ويغيب الدور التوعوي لوسائل الإعلام التي تتجاهل الملف غالباً رغم أنه يرتبط بصحة ملايين الأشخاص. ويطالب هؤلاء بضرورة تفعيل الرقابة على استيراد أدوية الخصوبة والجمال وتوزيعها، من خلال فرض غرامات على الصفحات والحسابات التي تروّج منتجات غير مرخصة، وإطلاق حملات توعية رسمية موجهة للنساء عبر الإعلام المحلي ووسائل التواصل، وأيضاً شبكات للدعم النفسي والصحي للمتضررين.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!