RSS
2026-08-27 14:24:27

ابحث في الموقع

غرور المكاتب الوثيرة: دراسة في نفسية المسؤول المؤقت بالعراق

غرور المكاتب الوثيرة: دراسة في نفسية المسؤول المؤقت بالعراق
بقلم: د. علي أحمد الزبيدي

جاء في التاريخ أن "كارل غوستاف إميل مانرهايم"، قائد الجيش الفنلندي ورئيس الجمهورية الأسبق، الذي حكم في أربعينات القرن الماضي، كان في أواخر أيامه مريضاً ومُعْتَلاً، ورغم مكانته الكبيرة، إلا أنه أدرك بحكمة بالغة أن هيبة المناصب لا تمنح الإنسان حصانة ضد عوارض الزمن والموت. 

وعندما سُئل عن سلطاته السابقة، قال كلمته الشهيرة التي أصبحت درساً في التواضع: "إن أعظم ما يدركه الحاكم هو أن كرسي الحكم ليس سوى محطة عبور، وأن التاريخ لا يذكر إلا من تواضع للناس يوم كان قادراً على ظلمهم".

على نقيض هذه الحكمة، يعيش بعض المسؤولين في العراق حالة من غرور المناصب والجاه الذي وصل إليهم؛ وقد يُعلل ذلك بأن أغلبهم جاء للمنصب ليس بحكم كفاءته أو خبرته أو نتائجه العملية، بل جاء بأمر واحد فقط وهو (المحاصصة الحزبية). 

هذه المحاصصة التي قد تصنع من البعض تاريخاً بطولياً مزيفاً، بل وتجعله عالماً من العلماء المرموقين في المجتمع، رغم أنهم لم يكونوا شيئاً يذكر ولا تاريخاً يُعتمد عليه، غير أن الفرصة وحدها هي التي جعلت منهم قادة ومسؤولين. 

ويا ليتهم أجادوا الدور! فالبعض منهم لم يتمكن من التكيف مع متطلبات المنصب، وتراه يحن إلى أيام التشرد والتشرذم والتسكع؛ حيث تبدو تصرفاته غير مؤهلة تماماً للمسؤولية، وهذا للأسف ما يجري الآن في أغلب مؤسسات الدولة.

قبل أيام، التقيت بشخصية علمية ترأس مكاناً ما. 

وحقيقةً، أنا أعلم أن أمثال هؤلاء يريدون أن يبرزوا بتغيير ملامح الوجه والمظاهر الخدّاعة لا بتقديم العمل الأفضل؛ فملامح وجوههم هي التي تتحكم في عقليتهم، وتجد عينه دائماً على المقابل: ما هو موقع الشخص الذي أمامه؟ وهل له منصب؟ وهل يمكن الاستفادة منه أو اعتباره مؤثراً؟ والأهم من ذلك كله: هل هو قريب ممن جاء به؟

حقيقةً، إن الشعب العراقي ومجتمعه منقسم إلى قسمين: قسم لا يُطأطئ الرأس لأي كان إلا لله عز وجل، وقسم آخر يمثل الطبقة المتلونة والمتملقة التي تطأطئ الرأس خضوعاً في سبيل مصالحها الشخصية. 

والحمد لله الذي جعلنا ممن لا يطأطئون الرأس لأي مخلوق سوى لله تعالى وحده.

كنت أجلس بجانبه، وشعرت بحق أنه الشخص الذي يتعالى من فراغ؛ فلم ألتفت إليه ولم اشاركه الحديث. 

وهو، في غفلته، يتوقع أنه باقٍ في منصبه للأبد، غير دارٍ بأن التغيير قادم لا محالة وأنه سيكون أول المغادرين لهذا الكرسي. 

وتاليًا، ستراه يفتح صفحة على موقع "فيسبوك" و "واتساب" ليكتب منشور (جمعة مباركة) للجميع، في حين أن الغالبية العظمى ممن يرسل لهم هم أنفسهم من كان يتسلط عليهم ويحاربهم في مكان عمله!

يا ساداتي ويا سادتي، ورسالتي الآن موجهة لمن يتبوأ المنصب في المؤسسات العلمية: اعلموا أن الكرسي الذي تجلسون عليه وتنفشون ريشكم زهواً به ليس سوى محطة زائلة ستغادرونها ولو بعد حين. 

إن كنتم لا تهابون الموت فهذه لعمري آفة يقع فيها غرور الإنسان، ولكن ألا تهابون أهوال الدنيا ومتغيراتها؟ إنتم وكرسيكم الذي لا يدوم، وإن طال الأمد بالبعض.

إن متغيرات النظام التعليمي في العراق حاله كحال بقية المناصب الأخرى؛ ناس تسلم الراية لناس، ومنهم من يتحكم فيه الحزب أو الجهة السياسية التي وضعته.

وبمجرد أن يُستبدل اسم أحدهم بمرسوم أو أمر إداري، تراه وقد حوّل فترة تكليفه المؤقتة إلى إمبراطورية شخصية، يمارس فيها شتى أنواع التعالي والتسلط على الكفاءات، متناسياً حقيقةً أزلية غابت عن بصيرته: أن الكرسي زائل، وأن الأثر وحده هو ما يبقى.

مع الأسف، هذا ما نعيشه اليوم..!


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!