RSS
2026-09-01 11:08:13

ابحث في الموقع

من خزينة الوطن إلى الحسابات الخفية.. من يقف خلف صمت تهريب اموال العراق المنهوبة ؟

من خزينة الوطن إلى الحسابات الخفية.. من يقف خلف صمت تهريب اموال العراق المنهوبة ؟
بقلم: دعاء هزاع الجابري

في العراق لم يعد الفساد مجرد أرقام تكتب في تقارير الرقابة، ولا ملفات تكدس فوق رفوف المؤسسات حتى يغطيها غبار السنوات، فلقد أصبح الفساد في صورته الأكثر قسوة، بـ"ذاكرة مالية لدولة كاملة"، ذاكرة لا تُقرأ بالكلمات وحدها بل بالحسابات والتحويلات والعقارات والشركات والأموال التي غادرت وطنها ثم تعلمت كيف تختبئ خلف أسماء لا تقول الحقيقة كاملة.

واليوم حين تتحدث التقارير عن "لجنة دولية" تتعقب أموال الفساد في العراق وتراجع أسماء شخصيات سياسية ومسؤولين بينها "رئيسا وزراء" سابقان، فإن القضية لا تستحق أن تُقرأ باعتبارها خبرا عابرا في نشرة سياسية، لأن بجوهرها سؤال عن الدولة نفسها، في: من هما ؟ ولماذا بقيت الأسماء خلف ستار الكتمان؟ وهل نحن أمام تحقيق يبحث عن أفراد، أم أمام محاولة لفتح الخريطة القديمة التي تحركت عليها أموال العراق طوال عقدين؟، فهذه الأسئلة لا تبحث عن الإثارة بقدر ما تبحث عن الحقيقة، فحين تدخل الخبرة الدولية إلى ملف الأموال يتغير شكل السؤال، ولا يعود: من أخذ المال؟ بل يصبح: من سمح له أن يأخذه؟ ومن غطى الطريق؟ وإلى أين ذهب؟ ومن يقف في نهايته؟، فالمال بخلاف الإنسان لا يستطيع أن يكذب إلى الأبد، حيث قد يتغير اسم الشركة وقد يغلق الحساب وقد تنتقل الملكية إلى شخص آخر ويتحول المال من نقد إلى عقار ومن عقار إلى استثمار ومن استثمار إلى شركة عابرة للحدود، لكن أثر المال في تلك الرحلة يبقى شاهدا على الرحلة ذاتها.

ولهذا فإن تتبع الأموال المهربة قد يكون أخطر من اعتقال عشرات الموظفين، لأن الموظف يمكن أن يكون حلقة، أما المال فيقود إلى السلسلة بأكملها، والعراق اليوم لا يبحث عن لصوص فقط، بل عن هندسة فساد تفشى كالوباء على مر سنوات طوال حتى استنزف أرضه وشعبه، فالمشكلة العراقية لم تكن يوما في وجود فاسد هنا أو مرتش هناك بل المأساة بدأت عندما تحول الفساد من سلوك فردي إلى نظام قابل للحياة، وعندما اصبح العقد الحكومي بابا، والمنصب مفتاحا، والشركة واجهة، والحساب المصرفي ممراً.

والنفوذ السياسي مظلة، عندها لم يعد الفساد حادثة تقع داخل الدولة بل اصبح شيئا يشبه الدولة الموازية التي تعيش في داخلها، وتستخدم قوانينها ومؤسساتها وأسماءها، بينما تستنزف مواردها من الداخل.

ومن هنا تحديدا تكمن أهمية الحديث عن "رئيسي وزراء سابقين"، وفي المستوى الذي وصلت إليه التحقيقات من هذه المعلومات، فحين تقترب التحقيقات من رؤساء حكومات سابقين فإن السؤال لم يعد عن موظف صغير تجاوز القانون، وإنما عن الطبقة التي كانت تملك مفاتيح القرار في الدولة، لذلك سؤال: من هما؟ هو السؤال الذي سيظل معلقا حتى تعلن الجهات القضائية والرسمية الأسماء بصورة واضحة، لان بقاء الأسماء طي الكتمان يفتح في المقابل سؤالا آخر ، وهو : هل الصمت إجراء قانوني لحماية التحقيق ، أم أن هناك حسابات سياسية تجعل إعلان الأسماء أكثر تعقيدا ؟ ، فربما تكون الأسماء محجوبة لأن التحقيق لم يكتمل، وربما لأن الأدلة لا تزال قيد المطابقة، وربما لأن القضية تتعلق بتحويلات خارجية تحتاج إلى تعاون قضائي دولي، وربما لان ابعاد الحقيقة اكبر من التحقيق ذاته، وفي كل الاحتمالات يبقى هناك شيء واحد يجب ألا يحدث، وهو أن يتحول الصمت إلى "مقبرة جديدة للملفات" لأن كل شيء يمكن له أن يحجب الا "خريطة المال"، فهي الأكثر صدقا من ذاكرة السياسة ذاتها، فالسياسة تستطيع أن تنسى في "برلمانات تغير وجوهها"، وحكومات تتبدل، وتحالفات تعيد ترتيب مقاعدها"، لكن المال لا ينسى طريقه بسهولة، لإنه يترك أثرا في المصارف وفي الشركات وفي سجلات الملكية والعقارات وحركة التحويلات، وفي الأشخاص الذين ظهروا فجأة بثروات لا تشبه بداياتهم، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في العراق ليس أن تكشف التحقيقات أسماء فاسدين بل الأخطر والأهم هو أن تكشف كيف عملت المنظومة بأكملها، في: من أين بدأ المال؟ من مرره؟ من حماه؟ من استفاد منه؟ وأين استقر؟، لأن معرفة اللص قد تنهي قصة واحدة أما معرفة آلية السرقة فقد تمنع ألف قصة أخرى، وعقدان من الزمن أمام ذات المرآة يستحق أن نقف أمام كل تلك التساؤلات بثقل وحزم وجدية لم تعهد من قبل.

فمنذ 2003، تغيرت الحكومات والوجوه والبرلمانات، لكن السؤال الاقتصادي ظل واحدا: أين ذهبت ثروة العراق؟ بل إن السؤال أصبح أكثر قسوة حين يتذكر المواطن أن بلاده تمتلك النفط والغاز والمنافذ والموارد، ومع ذلك بقيت الخدمات في كثير من المناطق دون مستوى ما يفترض أن تمنحه دولة تملك هذه الثروات، فالمشكلة ليست فقط في الأموال التي سُرقت بل في الفرص التي سُرقت معها، حيث كل مليار خرج من الخزينة ولم يعد كان لمدرسة لم تُبن ومستشفى لم يُجهز وطريقا لم يُعبد وماء لم يصل ووظيفة لم تُخلق، وحياة كان يمكن أن تكون أكثر كرامة لمواطن عراقي لم يكن شريكا في الجريمة، لكنه دفع ثمنها بكل اشكالها، ولهذا فإن استرداد الأموال ليس مجرد انتصار للخزينة بل استرداد لجزء من عمر المواطن العراقي الذي أنهك، والامتحان الحقيقي اليوم لا يقف عند "صولة الفجر" واللجنة الدولية والتحقيقات، فكلها ستبقى مجرد عناوين كبيرة إذا انتهت إلى اعتقال بعض الأشخاص دون الوصول إلى جذور "الشبكة"، فالعراق لا يحتاج إلى سقوط أسماء فقط، إنه يحتاج إلى سقوط الطريقة التي كانت تجعل الاسم قادرا على حماية المال، والمال قادرا على شراء النفوذ، والنفوذ قادرا على تعطيل القانون، لان العدالة الحقيقية ليست أن نرى مسؤولا خلف القضبان بل العدالة الحقيقة في أن يصبح المنصب ذاته عاجزا عن حماية صاحبه إذا خان المال العام، وأن يصبح توقيع الوزير دليلا عليه لا حصانة له، وأن تصبح خزينة الدولة أمانة لا غنيمة، وأن يعرف كل من يجلس على كرسي السلطة أن التاريخ لا ينتهي بخروجه من مكتبه.

لذلك اليوم ربما تكون القضية أكبر من "رئيسي وزراء سابقين"، وربما يكون الاسمان مختلفين عما تتداوله التكهنات، وربما تقود التحقيقات إلى شخصيات لم تخطر على بال أحد يوما، لكن السؤال الذي سيبقى أكبر من تلك الأسماء، هو: هل يستطيع العراق هذه المرة أن يتتبع المال حتى نهايته؟، فإذا وصل التحقيق إلى المال، ثم وصل المال إلى الحساب، ثم قاد الحساب إلى صاحبه، وقاد صاحبه إلى من سهل له الطريق، عندها فقط يمكن القول إن العراق بدأ يقترب من رأس الفساد لا ظله، أما إذا توقفت الخريطة عند أول اسم وعادت الملفات إلى الأدراج، فسوف يكون كل ما حدث مجرد فصل جديد من الحكاية القديمة، حكاية دولة تعرف أن أموالها خرجت منها لكنها لم تعرف دائما من أخذها وأين أخفاها.

ولهذا السبب تحديدا يبدو السؤال الأكثر خطورة اليوم من أي وقت مضى، هو: من هما ؟، والأعمق من ذلك ليس: من سيُكشف اسمه؟ بل: ماذا سيحدث عندما تتكلم خريطة المال؟، لأن المال إذا تكلم لن يكتفي بفضح اللص .. بل سيكشف الطريق الذي أوصل اللص إلى "خزينة الوطن".

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!