RSS
2026-09-13 08:09:32

ابحث في الموقع

من محطات الوقود إلى المتاجر.. كيف تنتقل صدمة الطاقة إلى الأسعار في أميركا؟

من محطات الوقود إلى المتاجر.. كيف تنتقل صدمة الطاقة إلى الأسعار في أميركا؟
بعد ستة أشهر من الحرب في المنطقة، بدأت أسعار النفط والغاز تضغط على التضخم الأميركي، خصوصاً عبر أسعار البنزين والديزل وتذاكر السفر.

غير أن انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات الأخرى لا يزال محدوداً حتى الآن، ما يطرح سؤالاً اقتصادياً أساسياً حول مدى قدرة صدمة الطاقة على التغلغل في الاقتصاد الأميركي.

البنزين والسفر أول قنوات التأثير

تظهر آثار التضخم المرتبط بالنفط سريعاً عند محطات الوقود. فقد بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة نحو 4.30 دولارات للغالون أول أمس الجمعة، بزيادة قدرها 44% منذ اندلاع الحرب، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية.

وسجل الديزل في اليوم نفسه أكثر من ستة دولارات للغالون للمرة الأولى، بعدما ارتفع بأكثر من 60% منذ أواخر شباط. ويعكس ذلك سرعة انتقال ارتفاع أسعار النفط إلى تكاليف النقل والطاقة التي يتحملها المستهلك مباشرة. كما ارتفعت أسعار تذاكر الطيران بنسبة 23.4% خلال آب 2026 مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. ويعود ذلك إلى قدرة شركات الطيران على تمرير جزء من ارتفاع أسعار وقود الطائرات إلى المسافرين، خصوصاً مع استمرار الطلب القوي على السفر.

وكتب جيفري روتش، كبير الاقتصاديين في شركة "إل بي إل فاينانشال" للخدمات والاستشارات المالية، في مذكرة، أن "جيل طفرة المواليد الذي يسافر ويتناول الطعام خارج المنزل لن يخفض الطلب لمجرد أن سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية ارتفع بربع نقطة مئوية".

وتشير هذه الملاحظة إلى أن قوة الطلب تمنح الشركات مجالاً أوسع لرفع الأسعار، خصوصاً في قطاعات السفر والمطاعم، حتى في ظل ارتفاع أسعار الفائدة.

الديزل يهدد الغذاء والنقل

تكمن أهمية الديزل في أنه لا يقتصر على السيارات، إذ يشغّل الجرارات والحصّادات الزراعية، كما تعتمد عليه الشاحنات ووسائل النقل التي تنقل المنتجات إلى المتاجر والأسواق. ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن ديفيد أورتيغا، أستاذ الاقتصاد في جامعة ميشيغن الحكومية، قوله إن "ارتفاع سعر الديزل جعل نقل المنتجات الزراعية إلى المتاجر أكثر تكلفة. وتتعرض السلع سريعة التلف، مثل المأكولات البحرية ومنتجات الألبان، لضغط أكبر، لأنها تحتاج إلى نقل مبرد يستهلك كميات أكبر من الوقود".

وتكشف هذه القناة عن الطريقة التي يمكن أن تنتقل بها أزمة الطاقة من قطاع الوقود إلى أسعار الغذاء. فارتفاع تكاليف تشغيل الآلات الزراعية والنقل والتبريد يضغط على هوامش المنتجين والموزعين، وقد يدفعهم في مرحلة لاحقة إلى تحميل المستهلك جزءاً من التكلفة.

لماذا لم ينتقل التضخم بالكامل إلى السلع؟

رغم الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، لا تظهر حتى الآن مؤشرات قوية على انتقال واسع لتكاليف الطاقة إلى مختلف السلع والخدمات. فقد ارتفعت الأسعار الأساسية، التي تستثني الغذاء والطاقة، بنسبة 2.4% خلال آب الماضي مقارنة بالعام السابق، وهي النسبة نفسها التي توقعها المحللون، وأقل قليلاً من الزيادة المسجلة في تموز. كما ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 2.7% خلال الفترة نفسها، غير أن الاقتصاديين لا يرون دليلاً واضحاً على أن ارتفاع أسعار الطاقة كان المحرك الرئيسي لهذه الزيادة.

وقال غريس زويمر من مؤسسة "أكسفورد إيكونوميكس" للأبحاث والاستشارات الاقتصادية، لـ "وول ستريت جورنال" إن "تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على التضخم الأساسي كان محدوداً جداً خلال الربع الثاني". وتتوقع أن يزداد هذا التأثير خلال الربع الثالث، مع بقائه في مستويات محدودة.

ويعود ذلك جزئياً إلى أن الشركات لا تسارع عادة إلى تمرير كل زيادة في تكاليف الطاقة إلى المستهلكين. وقال الاقتصادي سونغ وون سون إن "كثيراً من الشركات تستخدم عقود التحوط لحماية نفسها من تقلبات أسعار الوقود، كما أن تراجع أسعار النفط خلال الصيف منحها هامشاً لاستيعاب الارتفاع الأخير".

غير أن سعر النفط الخام اقترب من 100 دولار للبرميل بعد ظهر أول أمس الجمعة، بزيادة تقارب 45% منذ بداية تموز، ما يقلص قدرة الشركات على مواصلة امتصاص التكاليف إذا استمر الارتفاع فترة أطول.

متى تصبح الطاقة محركاً واسعاً للتضخم؟

يكمن الخطر في استمرار أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة، إذ قد تنتقل الشركات من امتصاص التكلفة إلى تحميلها على المستهلكين عندما تقتنع بأن فواتير الوقود لن تنخفض قريباً.

وفي هذه الحالة، لا تقتصر التداعيات على البنزين والديزل وتذاكر الطيران، إذ يمكن أن ترتفع تكاليف النقل والتخزين والتبريد والتصنيع، ما يضغط على أسعار الغذاء والملابس والأثاث وسائر السلع التي تصل إلى المستهلك عبر الشاحنات والطائرات والسفن.

وكتب سون في مذكرة إلى عملائه: "تضخم الطاقة لا يبقى في محطة الوقود، بل ينتقل عبر الشاحنات والطائرات وسفن الشحن إلى كل متجر تقريباً في أميركا". كما يمكن لتوقعات المستهلكين أن تزيد الضغوط. فإذا اقتنع الأميركيون بأن التضخم سيستمر، فقد يسارعون إلى شراء السلع قبل ارتفاع أسعارها أكثر، ما يرفع الطلب ويمنح الشركات مبرراً إضافياً لزيادة الأسعار.

كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!