RSS
2026-11-02 12:39:35

ابحث في الموقع

العراق في مواجهة الفقر المائي.. 403 لترات استهلاك يومي للفرد وتحذيرات من مستقبل الأجيال

العراق في مواجهة الفقر المائي.. 403 لترات استهلاك يومي للفرد وتحذيرات من مستقبل الأجيال
تتفاقم أزمة الجفاف والفقر المائي في العراق بالتزامن مع دخول الاتفاق الإطاري العراقي التركي للمياه حيز التنفيذ لتمويل مشاريع الحوكمة والري الحديث. وفي حين يحذر خبراء من ارتفاع الاستهلاك الفردي إلى مستويات هي الأعلى عالمياً، تشتد التنبؤات بارتفاع الاستهلاك المدني إلى 8 مليارات متر مكعب بحلول 2035، وسط تحذيرات شديدة من كارثة حقيقية تُهدد الأجيال القادمة إذا استمر الهدر الزراعي والمدني وغياب التوعية ورداءة شبكات التوزيع.

هدر مائي كبير

ويقول مدير مرصد العراق الأخضر عمر عبد اللطيف، إن “الأزمة المائية تتفاقم باستمرار استهلاك نحو 70 إلى 80% من المياه في الزراعة التقليدية، ولا سيما الري السيحي، في ظل عدم اعتماد التقنيات الحديثة كالمرشات وأنظمة الري بالتنقيط، وهذه الممارسات تتسبب بهدر كميات كبيرة من المياه وتؤثر في الأراضي الزراعية من خلال زيادة التملح”.

ويكشف عن “ارتفاع معدل استهلاك الفرد العراقي للمياه إلى 403 لترات يومياً، وهذا المستوى من الاستهلاك هو الأعلى عالمياً ويتجاوز معدلات الاستهلاك حتى في الدول التي تتمتع بوفرة مائية ولا تواجه أزمات مماثلة للعراق”، داعياً ”ضوء هذه المؤشرات الوزارات المعنية إلى إعداد خطط لخفض استهلاك المياه وتقليل الكميات المهدورة، ووضع تلك الخطط موضع التنفيذ خلال المراحل المقبلة”.

ويلفت إلى أن الاستهلاك المدني للمياه، الذي يشمل الشرب والاستخدامات المدنية وسقي الحدائق، يبلغ نحو 6 مليارات متر مكعب سنوياً، مرجحاً ارتفاعه إلى 8 مليارات متر مكعب بحلول عام 2035، نتيجة النمو السكاني وزيادة الطلب على المياه.

ويرى عبد اللطيف، أن ”التوقعات المتعلقة بارتفاع استهلاك المياه تستند إلى خطط وزارة البيئة ووزارة الزراعة ووزارة الموارد المائية ووزارات أخرى، تأخذ بنظر الاعتبار النمو السكاني المتوقع وما قد يرافقه من زيادة في الطلب على المياه”.

تصدر بغداد والبصرة

ويحدد مدير مرصد العراق الأخضر بغداد بوصفها المحافظة الأعلى في معدلات هدر المياه، رابطاً ذلك بكثافتها السكانية وشبكات التوزيع ومعدلات الاستهلاك، فيما يميز وضع البصرة بكونها تعاني من تلوث المياه ورداءة نوعيتها، وأن أسوأ أنواع المياه توجد فيها.

وينتقد غياب ”التوعية المجتمعية بخطورة الأزمة”، مؤكداً أن ”العراق وصل إلى مرحلة الفقر المائي، إلا أن المواطنين والحكومة لم يستوعبوا بعد حجم التحديات المرتبطة بهذه المرحلة”.

ويستحضر عبد اللطيف في، هذا السياق، أزمة الجفاف التي شهدتها البلاد قبل عامين أو ثلاثة أعوام، مشيراً إلى أنها “كادت تصل إلى بغداد، على غرار ما تعرضت له المحافظات الجنوبية ومناطق الأهوار، التي اضطر عدد من سكانها إلى النزوح بسبب الجفاف”.

ويحذر من ”استمرار غياب الخطط الرامية إلى توعية المواطنين بأهمية الحفاظ على المياه”، مشدداً على أن ”المياه المتاحة حالياً قد لا تتوافر للأجيال المقبلة إذا استمرت معدلات الاستهلاك والهدر على حالها”.

شروط أنقرة

وينتقل عبد اللطيف إلى ملف التعاون المائي مع تركيا، معتبراً أن ”أنقرة تمارس ضغوطاً على العراق وتتحاشى منذ عقود توقيع اتفاقية مائية تضمن حقوقه، والمحادثات الأخيرة لا ترقى إلى مستوى اتفاقية ملزمة”.

ويوضح، أن ”التفاهمات الأخيرة تقوم على معادلة حسابية يقدم العراق بموجبها احتياجاته المائية للزراعة والسكان والمحافظات، لتحدد تركيا على أساسها كميات المياه التي يمكن إطلاقها باتجاه الأراضي العراقية”.

ويرى عبد اللطيف، أن ”هذه الآلية تجعل إطلاق المياه مرتبطاً بحسابات الاحتياجات المقدمة من العراق، بدلاً من ضمان حصة ثابتة بموجب اتفاقية واضحة”، منتقداً ”افتقار الجانب العراقي إلى مفاوض قوي يستطيع التوصل إلى اتفاق مائي ملزم مع تركيا”.

ويستذكر تفاهمات جرت قبل نحو صيفين بشأن إطلاق 400 ألف متر مكعب من المياه يومياً، مشيراً إلى أن الكمية كانت تبلغ 100 ألف متر مكعب يومياً، أي ربع الكمية المذكورة، معتبراً أن ”هذه التفاوتات تعكس طبيعة المشكلة المائية المستمرة بين البلدين”.

وقررت الحكومة العراقية، في تموز الماضي، تفعيل الاتفاق الإطاري العراقي التركي بشأن المياه، وإدخال آلية تمويل المشاريع الخاصة به حيز التنفيذ اعتباراً من الأول من أيلول 2026.

وجاء القرار، بحسب بيان رسمي، ضمن إطار تنظيم العلاقات الخارجية بين البلدين، بعد توقيع اتفاقية للمياه أواخر عام 2025، بهدف تحقيق المنفعة المتبادلة في مياه نهري دجلة والفرات.

وتشمل الاتفاقية تنفيذ مشاريع لتحسين نوعية المياه والحد من تلوث الأنهار، وتطوير أساليب الري واعتماد التقنيات الحديثة واستصلاح الأراضي الزراعية.

كما تتضمن تعزيز حوكمة إدارة المياه وترشيد استخدامها، وتحديد المشاريع المطلوبة وأولوياتها وفق احتياجات الجهات العراقية المعنية.

كارثة حقيقية

ويعيد عبد اللطيف معالجة الأزمة إلى “ضرورة اعتماد استراتيجية وطنية لتقنين استهلاك المياه في القطاعين الزراعي والمدني، تتضمن تثقيف المواطنين والمزارعين بشأن أساليب الاستخدام الرشيد والحد من الهدر خلال المرحلة المقبلة”.

ويربط تدهور”نوعية المياه بانخفاض مناسيب الأنهار، لأن ارتفاع المناسيب إلى مستوياتها الطبيعية يساعد الأنهار على تنظيف نفسها، بينما يؤدي انخفاضها إلى تفاقم التلوث ووصول مياه ملوثة إلى المواطنين”.

ويصف عبد اللطيف الوضع المائي الراهن بأنه ”كارثة حقيقية تستدعي انتباه الحكومة والمواطنين، في ظل استمرار الري التقليدي وعمليات الرش العشوائي وتكسر شبكات المياه والتجاوز عليها، بما يؤدي إلى فقدان كميات إضافية من الموارد المائية”.

ويحذر من أن غياب الضوابط الفاعلة على الاستهلاك يشجع بعض المواطنين على هدر المياه دون مراعاة محدودية الموارد، مشدداً على ضرورة فرض مبالغ وضوابط تسهم في تقنين الاستهلاك، بدلاً من الاكتفاء بدفع الرسوم مع استمرار الهدر.

ويطرح عبد اللطيف اعتماد ”عدادات ذكية للمياه، على غرار العدادات المستخدمة في قطاع الكهرباء، بوصفها إجراءً ضرورياً لضبط الاستهلاك والحد من الهدر”، مؤكداً أن ”حماية الموارد المائية تتطلب إجراءات عملية وتغييراً في ثقافة التعامل مع المياه قبل تفاقم الأزمة خلال السنوات المقبلة”.

معدلات غير طبيعية

من جهته، يقول خبير الموارد المائية نجم الغزي، إن ”معدلات الاستهلاك المدني للمياه في العراق، في ضوء التوقعات بارتفاعها من 6 إلى 8 مليارات متر مكعب بحلول عام 2035، تعد غير طبيعية بالنسبة لاستهلاك السكان لمياه الشرب”، موضحاً أن “كفاءة استخدام المياه في العراق منخفضة مقارنة بالمقاييس العالمية، ما يؤدي إلى هدر كميات كبيرة من الموارد المائية”.

ويربط ”ارتفاع معدلات الاستهلاك باعتياد المواطنين التعامل مع المياه بوصفها سلعة مجانية لا تدخل كلفتها ضمن حساباتهم، فضلاً عن ترسخ ثقافة وفرة المياه باعتبار العراق بلداً يضم نهرين، الأمر الذي أسهم في زيادة الاستهلاك”، محذراً من أن ”استمرار هذه المعدلات مع ارتفاع عدد السكان وتزايد الاحتياجات سيؤدي إلى تفاقم المشكلة في ظل العجز المائي”.

وينبه إلى أن ”الهدر لا يقتصر على مياه الشرب، وإنما يمتد إلى الاستخدامات الزراعية والصناعية، إذ تشهد جميع هذه المجالات مستويات مرتفعة من استهلاك الموارد المائية”.

ويضع الغزي القطاع الزراعي في “مقدمة المجالات التي تحتاج إلى تطوير أساليب استخدام المياه، بسبب استمرار الاعتماد على الري بالغمر، الذي يعد من الطرق التقليدية التي تجاوزتها الممارسات الزراعية الحديثة في العالم”.

ويعيد أسباب صعوبة اعتماد التقنيات الحديثة إلى غياب البنية التحتية المناسبة وضعف ثقافة التعامل معها لدى الفلاح العراقي، رغم إقراره بجودة هذه التقنيات، ما يجعل تطبيقها مرتبطاً بمدى توافر المتطلبات اللازمة لاستخدامها.

وينتقل إلى واقع شبكات توزيع المياه في المحافظات والمدن، معتبراً أن الأنابيب والشبكات تتعرض للأضرار والتلف، ما يفاقم مشكلات استخدام المياه، إلى جانب التلوث الذي يجعل جزءاً من المياه الموزعة غير صالح للشرب”.

التجربة التركية

ويفسر الخبير المائي توجه العراق نحو التعاون مع تركيا بكونها “المصدر الأساسي للمياه الواردة إلى البلاد عبر نهري دجلة والفرات، وهذا الواقع يفرض على العراق التعاون مع الجانب التركي وشركاته والاستفادة من التجارب التركية في إدارة الموارد المائية”.

ويربط هذا التعاون بالاتفاقات والمصالح المتبادلة بين البلدين، موضحاً أن “الاتفاق مع تركيا قد يتيح حصول العراق على كميات من المياه مقابل تعاون تجاري متبادل، بما يشمل عمليات البيع والشراء بين الجانبين”.

ويقارن الغزي بين التجربتين التركية والهولندية، مبيناً أن ”الشركات والتقنيات الهولندية تمتلك مستويات تقنية عالية، إلا أن كلفتها مرتفعة، فضلاً عن أن تلك التقنيات لا تصلح للاستخدام في العراق في ظل الظروف الحالية”.

ويخلص إلى أن ”التعاون مع تركيا يمثل ضرورة تفرضها طبيعة مصادر المياه العراقية، باعتبار أن المياه الواردة إلى البلاد تأتي من الأراضي التركية، والمصالح والمنافع المتبادلة بين الدول هي التي تحدد طبيعة التعاون في هذا الملف”.

وحاولت “العالم الجديد” التواصل مع الجهات الحكومية المعنية في وزارة الموارد المائية للحصول على توضيحات بشأن ما تطرق إليه التقرير، إلا أنها لم تتلق أي رد، كما سعت إلى التواصل مع لجنة الزراعة والمياه والأهوار النيابية للوقوف على موقفها من هذه التحديات، لكنها لم تحصل على رد حتى وقت إعداد التقرير.

وبين توقعات ارتفاع الاستهلاك إلى 8 مليارات متر مكعب بحلول 2035، ومساعي إعادة استخدام ملياري متر مكعب من مياه الصرف، وتفعيل التعاون المائي مع تركيا، تتوزع جهود مواجهة الأزمة بين إدارة الطلب داخل العراق وتأمين موارده من الخارج، فيما يبقى تقليل الهدر وتطوير شبكات المياه والري اختباراً عملياً لفاعلية هذه الإجراءات.




المصدر: العالم الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!