وفي هذا الشأن، يقول الكاتب والإعلامي سالم مشكور، إن “المشاهد التي أعقبت انتخاب هيبت الحلبوسي رئيساً لمجلس النواب، ولا سيما لقاءاته مع عدد من السفراء الأجانب، تثير أكثر من علامة استفهام بشأن طبيعة رئاسة البرلمان وحدود استقلالها، فإجراء هذه اللقاءات داخل مقر حزب “تقدم”، وليس في مبنى مجلس النواب، يعكس ارتباكاً في الفصل بين الموقع الدستوري والهوية الحزبية، إذ يفترض برئيس السلطة التشريعية أن يتعامل بوصفه ممثلاً لجميع العراقيين لا امتداداً لحزب سياسي”.
ويضيف مشكور، أن “الإشكالية الأبرز تمثلت في مشهد الجلوس خلال تلك اللقاءات، حيث بدا محمد الحلبوسي في موقع المضيف الفعلي، فيما جلس رئيس مجلس النواب الجديد على هامش الصورة، وكأن الزيارة موجهة إلى زعيم الحزب لا إلى رئيس البرلمان، وهو ما منح انطباعاً رمزياً مقلقاً عن توازن السلطة داخل المؤسسة التشريعية”.
ويرى أن “هذه الصورة تشكل مؤشراً سلبياً مبكراً على أداء رئاسة البرلمان في المرحلة المقبلة، وتغذي المخاوف من أن يكون هيبت الحلبوسي مجرد واجهة، بينما تدار شؤون المجلس فعلياً من قبل محمد الحلبوسي، سواء من خلف الكواليس أو بصورة مباشرة”.
ويخلص الكاتب والإعلامي، إلى أن “استمرار هذا النمط سيضعف هيبة المنصب ويقوض استقلالية البرلمان، ويعيد إنتاج أزمة خضوع المؤسسات الدستورية لمنطق الزعامة الحزبية”.
وأثار أسلوب التعامل الدبلوماسي لرئيس البرلمان العراقي الحلبوسي اهتمام المراقبين السياسيين، خاصة بعد ظهوره في لقاءين رسميين مع سفراء أجنبيين كان رئيس حزب تقدم، محمد الحلبوسي، حاضراً إلى جانبه دون صفة رسمية.
في اللقاء الأول استقبل محمد الحلبوسي سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى العراق، محمد كاظم آل صادق، بحضور هيبت الحلبوسي، وترأس النقاش حول العلاقات الثنائية وتطورات الأوضاع الإقليمية، وذلك في مقر حزب تقدم وليس في مقر البرلمان، وهو ما اعتمدته بيانات المكتب الإعلامي لرئيس الحزب.
هذا المشهد تكرر يوم اللقاء نفسه مع السفير الأردني، ما أثار تساؤلات حول حدود الصلاحيات البروتوكولية لرئيس البرلمان في سياق الدبلوماسية الرسمية، خاصة أن اللقاءات جرت خارج مقر مجلس النواب وفي إطار حزبي، وهو ما يخالف الأعراف المعتادة في البروتوكول الدبلوماسي.
من جهته، يرى المحلل السياسي غالب الدعمي، أن “المشهد المرافق لتحركات رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي يبعث على الاستغراب، فحتى الزعماء الشيعة، رغم نفوذهم السياسي الواسع، لا يرافقون وزراء أو مسؤولين في تحركاتهم الدبلوماسية والمهنية والرسمية، في حين لم يظهر رئيس البرلمان الجديد حتى الآن بمفرده، بل دائماً إلى جانب زعيم حزب تقدم محمد الحلبوسي”.
ويضيف الدعمي، أن “هذا الحضور الدائم لمحمد الحلبوسي يعزز الانطباع بأن هيبت الحلبوسي قد لا يكون قادراً على الخروج من عباءة رئيس حزبه، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول من يدير البرلمان فعلياً، وما إذا كان محمد الحلبوسي هو رئيس مجلس النواب الحقيقي، ولو من خارج الموقع الدستوري”.
ومع ذلك، يستبعد استمرار هذا المشهد طويلاً، مرجحاً أن “تشهد العلاقة بين الطرفين توتراً أو خلافات خلال الأشهر المقبلة، مع بدء هيبت الحلبوسي بالشعور بحساسية التدخل المباشر في إدارة شؤون البرلمان، وهو ما قد يدفعه إلى محاولة فرض استقلالية أكبر لمنصبه، أو يعيد خلط الأوراق داخل بيت تقدم السياسي”.
ويعد هيبت الحلبوسي الذي انتخب رئيسا للبرلمان الاثنين الماضي، بوصفه أحد الأسماء اللصيقة برئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي، الذي واجه “فيتو” غير معلن من قوى الإطار التنسيقي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، إذ كان يرغب بتمرير نفسه مرشحاً لرئاسة المجلس.
إلى ذلك، يجد الباحث السياسي المقرّب من حزب “تقدم” الخطاب التميمي، أن “الجدل المثار بشأن ظهور محمد الحلبوسي إلى جانب رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي ينطوي على قدر كبير من التهويل والتسييس، فالسيد الحلبوسي هو قائد ورئيس حزب تقدم، وأن جميع الوزراء والمسؤولين المنتمين للحزب، بمن فيهم هيبت الحلبوسي، يُعدّون جزءاً من هذه المنظومة الحزبية التي يقودها رأس واحد”.
ويضيف التميمي، أن “هذا الواقع الحزبي لا يعني وجود تداخل أو تضارب في الصلاحيات داخل المؤسسة التشريعية”، مشدداً على أن “هيبت الحلبوسي، في الإطار البرلماني، هو رئيس مجلس النواب بكامل الصلاحيات، ولا يوجد أي مساس باستقلالية موقعه الدستوري”.
ويؤكد أن “الترويج لوجود هيمنة أو وصاية هو خطاب تتداوله أطراف فاشلة سياسياً وبعض وسائل الإعلام التي تحمل مواقف مسبقة وعدائية تجاه محمد الحلبوسي”.
ويتابع الباحث السياسي المقرّب من حزب “تقدم”، أن “ما جرى يوم أمس في مضيف محمد الحلبوسي في قضاء الكرمة لم يكن لقاءً رسمياً بالمعنى البروتوكولي، بل دعوة اجتماعية وسياسية ضمّت رئيس مجلس النواب ووزير التخطيط وعدداً من النواب، ومن الطبيعي، أن يتصدر صاحب المضيف المجلس، من دون أن يعني ذلك انتقاصاً من موقع رئيس البرلمان أو صلاحياته”.
وفيما يتعلق بلقاءات السفراء، يوضح التميمي، أن “ظهور محمد وهيبت الحلبوسي جالسين معاً على أريكة واحدة، من دون تمييز في الجلوس أو المشهد، لا يخرج عن السياق البروتوكولي أو السياسي المعتاد”، معتبراً أن “الحديث عن “إخراج مقصود” أو “رسائل خفية” يعكس حالة أزمة لدى أطراف تسعى إلى تضخيم المشهد وقراءته خارج سياقه الطبيعي، وربما بدفع وتوجيه سياسيين مباشرين”.
ويشير إلى أن “هيبت الحلبوسي يمتلك مساحة واضحة للعمل داخل البرلمان، وسيؤدي مهامه ضمن هذه المساحة من دون ضغوط”، موضحاً أنه “وإن كان جزءاً من المنظومة الحزبية التي يقودها محمد الحلبوسي، إلا أنه في الفضاء الوطني سيعمل قائداً لمؤسسته الدستورية، وبما ينسجم مع موقعه كرئيس لمجلس النواب”.
وعن سبب حضور السفراء في مقر الحزب، ينوه إلى أن “استقبال السفراء جاء في إطار تهنئة حزب “تقدم” بحصوله على استحقاقه السياسي، في ظل العلاقات التي تربط هذه البعثات برئيس الحزب”، مؤكداً أن “مكان اللقاء وطبيعته يعكسان هذا السياق، وأن التهاني وُجهت في الوقت نفسه لكل من محمد الحلبوسي بصفته زعيماً للحزب، وهيبت الحلبوسي بصفته رئيساً لمجلس النواب، من دون أي تعارض أو ازدواج في الأدوار”.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!