بداية نقول:
الوفاء خصلة من أجل وأفضل الخصال الفردية والاجتماعية وأول من تميز بهذه الخصلة الأنبياء والأوصياء والأولياء الصالحون وهي من الصفات والسمات والخصائص والأخلاق التي دأبوا عليها جميعاً.
وابتدؤوا وفاءهم لله جل جلاله : ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) ـ النجم /37 ولحاظ إبتداء الأنبياء بوفائهم لله جل وعلا : ( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ)ـ البقرة/ ١٢٤
الوفاء : صفة أو سمة يختص بها الإنسان القويم السوي المستقيم الأمين النزيه دون غيره وهو أي الوفاء من أجل وأقدس وأشرف الخصال ولعله ينسجم مع العفاف والحكمة ويمثل أعظم قيمة أخلاقية ولحاظ تقى واستقامة وصلاح ويُعرف بأنه الإلتزام ويعكس صورة صون العهود والمواثيق الإنسانية البحتة ورعايتها ووقايتها من النكول أو الجحود ويسوق إلى تنفيذ وتطبيق الوعود والمواثيق والالتزام بتنفيذها بكل دقة وبالتمام والكمال وهذا الإلتزام يؤسس لبناء ثقة وطيدة في العلاقات الإنسانية فردا ومجتمعا .
فإن الإنسان الوفي يتجسد الصدق في قوله ويتجلى ويُصيِّره أمينا في تعاطيه فيأمنه الناس ويأمنون إليه .
وليس غريبا أن يكون بعض الناس مجبولا على التحلي بالوفاء إذ هي خصلة اقترنت بسلامة فطرته ونقائها وتمازجت مع روحه وذاته.
عظمة الإيفاء بالعهود
الإنسان الوفي لا ينحصر أداؤه على الإيفاء لأشخاص أو أفراد معينين ولا يختص بجانب معين إنما يمتد مدى تجسيده لكل جوانب الحياة وأول ما يتجلى به الوفاء لله جل وعلا في أداء العبادات بأكمل وجه: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) ـ البقرة /40
ولرسوله صلى الله عليه وآله بتقديم فروض الطاعة الوافية المفعمة بالصدق عن طريق تطبيق مضامين الأحكام الشرعية والإلتزام والتنفيذ للأوامر والوصايا الإلهية والنبوية وأداء الأعمال العبادية والتعبدية وكذلك الوفاء لمكونات العلاقات الإنسانية وتشمل الوفاء بأداء الأمانات إلى أهلها ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ) ـ النساء / 58
فبقدر ما يكون الإنسان وفيا يكون أكثر صدقا وتفانيا من غيره وأحق للثقة من سواه ويغدو مصدرا للإطمئنان والارتياح مما يعزز التعاون بكل ثقة بين الجموع
والوفاء من أبرز وأهم وأعم مظهر من مظاهر مكارم الأخلاق
وليس غريبا أن تكون صفة الوفاء لحاظًا من لحاظات الإلتزام بالقيم والمبادئ بعموميتها الإنسانية الشخصية والحياتية والعملية حتى في الإلتزامات العائلية الأسرية.
وهو مؤدى لكسب احترام الآخرين وودهم حيث يجعل الشخص الوفي محط اقتداء من قبل الآخرين ويُتَخَذ قدوة حسنة. وعند ذاك يستحق المكافأة ولعله يكون أقرب الناس لله جل وعلا ولرسوله صلى الله عليه وآله إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: أقربكم غداً منّي في الموقف، أصدقكم للحديث وأداء الأمانة، وأوفاكم بالعهد وأحسنكم خلقاً .
الوفاء بإنجاز الأعمال التي توكل إليه سواء في العمل أو في أي مورد مشابه من موارد التكليف أو التوكيل.
وبالوفاء يتجلى ويتجسد الإيثار
وقد أشار القرآن الكريم إلى الوفاء ولمح بالإطراء والثناء للشخص الوفي وقرن الوفاء بالتقوى بوصفه الأوفياء بالمتقين: ( بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) ـ آل عمران / 76
وكذلك دل عليهم بأنهم موضع ثقة لا يخلفون العهد والميثاق ولهم أجر من الله عظيم
ينصهر الانسان الوفي ببوتقة الصدق المطلق فيكون إنموذجا حيًا للوفاء ومما تجدر الإشارة إليه أنه ليس كل صادق وفيا ولكن كل وفي هو صادق لأنه لا يخلف المواعيد ويصونها ويحافظ على جلالة وقدسية الروابط المجتمعية الإنسانية والمواثيق. فهو يتجمل بكامل المسؤولية وبتحمل تام على كل ما يطلق من وعود ومواثيق ويتمسك تمام التمسك بأدائها ولا يعرفُ الغدرُ له طريقا ابدا.
وهو صادق الوعد لا يتردد عن قولة الحق ولا يساوم ولا تتساوق أقواله وأفعاله مع الأهواء والمزاجات والنزعات أو النزوات.
إذ هو يحرص على أن تتطابق أقواله بأفعاله وأن يكون منبعا ومصدرا للجمال وكل ما هو جميل ونافع ومفيد.
وما يعينه على تحقيق كل ما يصبو إليه صدقه واستقامته والثقة بالنفس ويقينه بأنه صادقٌ مع ربه وصادقٌ مع نفسه ثم مع الناس اجمعين وتلك سلسلة مكارم بعقد لا ينفرط وعروة لا تنفصم.
وما ديدنه إلا الجود والكرم والتعاطي بالفضيلة والإنعام على من يستحق الإنعام وصنيعه الإحسان والبر.
يحسن لكل من يحسن له ولا يجازي الإحسان بالإحسان حسب بل يشدد على أن يضاعف ما قُدِمَ له ويقابله بأجزل إحسان وأوفر معروف ويحث ويحفز على تطبيق العدل والإنصاف وعدم نقض العهود والنكول بها والتمني على أن يزداد المجتمع تماسكا وتمسكًا بأقدس وأجل القيم والمبادئ السامية العلاقات المتينة الرصينة.
يجتاز الاختبارات الصعبة حين يتعرض لها ويبرهن ذلك بأسمى المواقف الإنسانية مثل التفاني وإظهار الود والمحبة لأفراد من الأصدقاء والأودّاء والأقارب وثبات كل ذلك حتى في غيابهم مما يجعله مثالا لاستدامة العلاقات الإنسانية المرتبطة بمكارم الأخلاق.
الأوفياء هم المتقون
تقترن صفة الوفاء في الإنسان بسمة النبل في النفس بما إنه وفي فهو إذن نبيل ولا يصدر منه إلا ما يشير إلى النبل ولعل التقوى أيضا تشترك في هذا الارتباط مما يجعله محط ثقة الناس أجمعين يحظى باحترامهم وتوقيرهم وتبجيلهم واعتزازهم به ولا يتوجس منه أحد أو يظن به سوءًا بل غالبا ما يُحسن الظن به إذ هو من المتقين والجادين بإظهار الوفاء والتعاطي به مع الناس ولعل هذا الصنف من الأوفياء يكون معنيا بظاهر منطوق الآية الكريمة : ( بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين) ـ آل عمران /76
وكم كان المجتمع بحاجة للأوفياء الحقيقيين والنبلاء والمتقين . ( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ـ البقرة / 177
ومن أجل الإشارة والتلميح لا التصريح والتذكير بأن من أبرز شعب وتفرعات واشتقاقات الوفاء وملامحه إن صح التعبير الوفاء للعقيدة والمبدأ وعظم الرسالة وصيانة ما تتضمن من مفاهيم وأبعاد ومعطيات . ليس أبرز وأصدق وأوثق وأبهى وأزهى مصداق لهذا المعنى من وفاء أصحاب الإمام الحسين عليه وعليهم السلام الذين جسدوا الوفاء بعينه وأصله وجوهره بل برعوا في تشخيصه بالصيغة التي لم يستطع أحد تصويرها وليس أبرز مظهر للوفاء من بذل النفس والروح وكل ما هو غالٍ ونفيس. و( الجود بالنفس أسمى غاية الجود ).
وللأخلاء والأوداء حصة من الوفاء
ولو وددنا أن نصنف جزئيات الوفاء المعنوي نلاحظ أن وفاء الأبناء للآباء والآباء للأبناء لا ينفصل عن مجمل التصنيف . مما يحتم أن يقطع كلٌ منهما العهد على نفسه بالوفاء.
وحين ندرج سمة الوفاء بحقل التعامل مع الآخرين نجد أن الأمر ليس منفصلا وكذلك يرتبط بتجليه مع الأصدقاء الأحبة والأوداء والأخلاء ومشاركتهم في السراء والضراء والشدة والرخاء.
وما يتصل بذلك وفاء العاملين بأن يكونوا أكثر وأعمق وفاءً في أداء الأعمال الوظيفية على أكمل وجه وتحمل المسؤولية كاملة والأداء بصلاحٍ وبمهنية وحرفية تامة وبكمال الإنجاز دون أي نقصان لتحقيق النجاح. مع الصدق والإخلاص وتوفر النوايا الحسنة.
أوفوا بأداء الأعمال بصيغة الوفاء
أن لا يكون العامل في مقر عمله باي مؤسسة كانت وبأي موقع وبأي صنف من أصناف وأنواع المؤسسات أو الدوائر الإنتاجية أو الخدمية أو ما يشابهها رسمية كانت أو شبه رسمية أو حتى أهلية مستقلة أن لا يكون مجرد موظف مهما كان تسلسله الوظيفي أو درجته أو مرتبته . فما عليه إلا أن يكون مُجِدَّا يدرك مفهوم الوفاء وجوهره مما يوفر لديه الشعور بالمسؤولية فيدعوه أن يبذل جهدا في أداء المهام التي توكل إليه يناسب ما يُطالبُ به هو من استحقاقات وما يستوفي من المؤسسة أو أي مقر عمل ويضع في الحسبان بأنه طالما انتمى إلى هذه المؤسسة فهو جزء منها لذا يتحتم عليه المحافظة على سمعتها وصونها والنهوض بواقعها وعمق ماهيتها وتحقيق متبنياتها والحرص على إدامة جودة الإنتاج . بعد أن يسعى أن يرتبط بها حسيا وشعوريا تامين صميمين.
ويجسد وفاءه بمزاولة العمل بانتظام تام والالتزام التام بأوقات العمل والمواعيد وساعاته المطلوبة.
عند ذاك يعم الصلاح والفلاح والخير والبركة براحة الضمير.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!