RSS
2026-01-18 19:39:40

ابحث في الموقع

الإنسان بين مطرقة العمل وسندان الحياة: هل نعمل لنعيش أم نعيش لنعمل؟

الإنسان بين مطرقة العمل وسندان الحياة: هل نعمل لنعيش أم نعيش لنعمل؟
بقلم : عمار الخالدي

يُعد التساؤل حول الغاية من العمل أحد أعمق التساؤلات الفلسفية والاجتماعية التي رافقت الإنسان عبر العصور. ومع تسارع وتيرة الحياة في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، وازدياد ضغوط الاقتصاد الرقمي، أصبح من الضروري إعادة فحص هذه العلاقة الجدلية: هل العمل وسيلة للبقاء، أم أنه الغاية التي نوجد من أجلها؟


العمل كوسيلة (نعمل لنعيش)


في الأصل الفطري، العمل هو الأداة التي سخرها الإنسان لتأمين احتياجاته الأساسية. من الصيد والزراعة قديماً إلى الوظائف التقنية والمكتبية اليوم، يظل المحرك الأساسي هو "الاستمرارية". في هذا السياق، يُعتبر العمل "ضريبة" ندفعها لنحصل على حق الاستمتاع بالوقت الحر، وبناء الأسرة، وممارسة الهوايات. هنا تكون الحياة هي المركز، والعمل يدور في فلكها؛ فإذا توفرت سبل العيش دون عمل، قد يتوقف الكثيرون عنه فوراً.


العمل كغاية (نعيش لنعمل)


على الجانب الآخر، يرى البعض أن العمل هو جوهر الوجود الإنساني. هؤلاء لا ينظرون إلى المهنة كمصدر للدخل فحسب، بل كمنصة لتحقيق الذات وترك بصمة في العالم. بالنسبة للمبتكرين، الفنانين، والعلماء، تصبح الحدود بين "الحياة الخاصة" و"العمل" شبه منعدمة. في هذه الحالة، العيش من أجل العمل ليس عبودية، بل هو "شغف" يعطي للحياة معناها، وبدونه يشعر الإنسان بالفراغ والعدمية.


فخ "الإنتاجية" في العصر الحديث


في عام 2026، ومع تداخل العمل عن بُعد وسيطرة وسائل التواصل الاجتماعي، وقع الكثيرون في فخ "العيش من أجل العمل" قسراً لا اختياراً. أصبح النجاح يُقاس بمدى انشغال المرء، مما أدى إلى ظاهرة "الاحتراق الوظيفي". إن تحويل الإنسان إلى مجرد "ترس" في آلة اقتصادية كبرى يجعله يفقد صلته بالمعنى الحقيقي للحياة، ويحوله إلى كائن استهلاكي يعمل ليشتري أشياءً لا يملك الوقت للاستمتاع بها.


الخلاصة: التوازن هو الحل


إن الإجابة المثالية ليست في اختيار أحد الطرفين، بل في خلق توازن مرن. نحن بحاجة إلى "العمل لنعيش" حياة كريمة ومستقرة، ولكننا نحتاج أيضاً إلى أن نجد في هذا العمل "معنى نعيش لأجله".

إن الهدف الأسمى للإنسان في هذا العصر يجب أن يكون السعي نحو "عملٍ يحترم إنسانيته"، بحيث يمنحه الكفاية المادية دون أن يسرق منه عمره ولحظاته الجميلة مع من يحب. فالعمل جزء من الحياة، وليس كل الحياة.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!