RSS
2026-01-22 17:35:06

ابحث في الموقع

ضرائب "الوقت الضائع": مناورة حكومية أم ضرورة اقتصادية؟

ضرائب "الوقت الضائع": مناورة حكومية أم ضرورة اقتصادية؟
بقلم: صادق الازرقي

مع انتهاء عمر الحكومة في العراق بعد ظهور نتائج الانتخابات الأخيرة (تشرين الثاني 2025) ووصفها بحكومة "تصريف الأعمال"، فإن القرارات الصادرة عنها تكاثرت في هذه المدة، ومن ذلك قرارات مهمة مثل فرض الضرائب وعدم احتساب الشهادة الدراسية وغيرها، إذ يظهر أن تلك القرارات كان لها ان تؤجل لما بعد الانتخابات.

تلك القرارات تثير كثيرا من الجدل ويتوقع المراقبون أن تؤدي الى مشكلات للحكومة الجديدة المقبلة وتشوش على الرأي العام.

إن لجوء حكومة "تصريف الأعمال" لاتخاذ قرارات استراتيجية أو مثيرة للجدل (مثل الضرائب والشهادات، وغيرها) في أنفاسها الأخيرة يعد ظاهرة معقدة لها أبعاد سياسية واقتصادية عميقة؛ ويبرز التساؤل هنا عن هذا السلوك، وكيفية معالجة هذه الفجوة في الأوضاع "الانتقالية" و لماذا تلجأ الحكومات المنتهية ولايتها لقرارات "خطيرة"؟

غالبا ما تكون قرارات مثل فرض الضرائب أو تقنين الشهادات ضرورية اقتصاديا لكنها غير شعبية، وان اتخاذها بعد الانتخابات يحمي التحالفات السياسية من خسارة الأصوات في أثناء الحملة الانتخابية، ويجعل الحكومة الراحلة "كبش الفداء" أمام الغضب الشعبي، وفي المنافسات السياسية الحادة، قد تعمد الحكومة المغادرة إلى اتخاذ قرارات تضع الحكومة المقبلة أمام "أمر واقع" يصعب التراجع عنه، مما يربك بدايتها ويجعلها في مواجهة مباشرة مع الشارع من اليوم الأول.

أحيانا تكون هناك ضغوط من مؤسسات دولية (مثل البنك الدولي) تتطلب إصلاحات معينة، فتقوم الحكومة باتخاذها في آخر وقت لتجنب عرقلة تشكيل الحكومة الجديدة بشروط مسبقة، وفي مدة الفراغ التشريعي والرقابي "تصريف الأعمال"، يضعف الدور الرقابي للبرلمان المنشغل بنتائج الانتخابات والتحالفات، مما يخلق مساحة للحكومة لتمرير قرارات عبر "أوامر ديوانية" أو "قرارات مجلس وزراء" من دون معارضة حقيقية.

وعادة، في الديمقراطيات المستقرة، هناك بروتوكولات صارمة تمنع تجاوز الصلاحيات في مرحلة ما بعد الانتخابات، وعلى سبيل المثال في دول مثل بريطانيا أو كندا، تلتزم الحكومة بما يدعى مبدأ "التحفظ"، فيمتنع الوزراء عن اتخاذ قرارات مالية مهمة أو تعيينات في مناصب عليا وكذلك عن توقيع عقود طويلة الأمد تلزم الخزينة لسنوات مقبلة او إصدار تشريعات تغير من بنية المجتمع الاقتصادية أو الاجتماعية.

وإذا استجد أمر طارئ (أزمة وطنية أو كارثة)، لا تنفرد الحكومة بالقرار، بل يجري التشاور مع "حكومة الظل" أو قادة الأحزاب الفائزة؛ الهدف هو ضمان أن القرار يحظى بشرعية استمرار تضمنها الحكومة المقبلة.

وتعمل المحاكم الإدارية (مثل مجلس الدولة) كحارس لمنع تجاوز السلطة، ويمكن لأي متضرر الطعن في قرارات الحكومة الانتقالية إذا ثبت أنها خرجت عن نطاق "تسيير الأمور اليومية الضرورية" ودخلت في نطاق "السياسات السيادية".

إن اتخاذ قرارات حساسة في هذا التوقيت يؤدي إلى نتائج سلبية منها، فقدان الثقة، اذ يشعر المواطن أن صوته في الانتخابات لم يغير النهج، أو أن القرارات تتخذ بعيدا عن الشفافية؛ وستكون المحكمة الاتحادية أو القضاء الإداري في مواجهة سيل من الدعاوى لإلغاء هذه القرارات لعدم الاختصاص في مدة تصريف الأعمال، مما يولد ارباكا إداريا جديدا؛ وقد تضطر الحكومة الجديدة لإلغاء هذه القرارات، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار في مؤسسات الدولة (مثل قضية عدم احتساب الشهادات).

إن ممارسة "تصريف الأعمال" يجب أن تقتصر قانونا على الأمور التي لا يمكن تأجيلها لضمان استمرار المرافق العامة، أما القرارات الهيكلية فهي من حق الحكومة التي تمتلك "ثقة" البرلمان الجديد.

وإن الطعن في قرارات حكومات "تصريف الأعمال" يعتمد بالأساس على مبدأ قانوني راسخ وهو "تجاوز حد السلطة"، وبما أن الحكومة فقدت ثقة البرلمان (أو انتهت ولايتها)، فإن صلاحياتها تضيق لتشمل فقط ما يضمن استمرار حياة الدولة اليومية.

في العراق، المادة (64/ثانيا) من الدستور تشير الى أن الحكومة تستمر في تصريف الأمور اليومية، والمحكمة الاتحادية العليا فسرت ذلك بأنها القرارات التي لا يمكن تأجيلها، أما القرارات التي ترتب أعباء مالية جديدة أو تغير مراكز قانونية (مثل الضرائب أو إلغاء احتساب الشهادات) فهي قابلة للإلغاء لأنها تخرج عن مفهوم "الأمور اليومية".

في فرنسا ومصر، يفرق القضاء الإداري (مجلس الدولة) بين "أعمال الإدارة الاعتيادية" و"أعمال التصرف"، وأي قرار يتضمن سياسة جديدة أو تعديلا في الأمور المالية يعد باطلا إذا صدر في مدة الانتقال.

في لبنان أصدرت حكومة تصريف الاعمال قرارات بتعيينات فئة أولى وتوقيع عقود كبرى، فأبطل مجلس شورى الدولة هذه القرارات، مؤكدا أن تصريف الأعمال يجب أن يكون في "أضيق الحدود".

في مصر جرى اتخاذ قرارات بفرض رسوم وتغيير لوائح إدارية في مراحل انتقالية، واستقر قضاء مجلس الدولة على إلغاء أي قرار لا يتسم بصفة "الاستعجال الضروري" في مدة تصريف الأعمال.

في تونس جرت محاولة تمرير تعيينات أو اتفاقيات دولية في فترات ما بعد الانتخابات، فجرى التصدي لها عن طريق المحاكم الإدارية بناء على دعاوى رفعتها النقابات أو الأحزاب المتضررة.

وفي العراق، إذا أرادت جهة متضررة (نقابة المعلمين مثلا في قضية الشهادات، أو اتحاد الغرف التجارية في قضية الضرائب) التحرك فانها تقدم تظلما إداريا إلى الجهة التي أصدرت القرار (مجلس الوزراء) للمطالبة بإلغائه لمخالفته صلاحيات تصريف الأعمال، و إذا رفض التظلم، ترفع دعوى "إلغاء قرار إداري" مع طلب "إيقاف تنفيذ بصفة مستعجلة" لمنع تضرر الناس لحين صدور الحكم النهائي.

و يجري الطعن أمام المحكمة الاتحادية اذ يمكن الطعن بعدم دستورية القرار إذا كان يخالف المادة (64) من الدستور التي قيدت صلاحيات الحكومة المنتهية ولايتها.

وحيث أن الحكومة الحالية هي حكومة "تصريف أعمال يومية" بموجب المادة 64 من الدستور، وحيث أن القرار المطعون فيه (مثلا: فرض ضريبة جديدة) يعد من القرارات التي ترتب التزامات مالية على السكان، وتتطلب تشريعا أو موافقة برلمانية كاملة الصلاحية، ولعدم توفر عنصر الضرورة القصوى التي لا تقبل التأجيل، يكون ذلك تأييدا لإلغاء الحكم وعده كأن لم يكن لتجاوز المدعى عليه صلاحياته الدستورية والقانونية.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!