على عكس السردية التي سيطرت على العالم منذ نهاية الحرب الباردة، وأطروحات برنارد لويس وغيره والتي بشرت بتفكيك الدول، وإعادة رسم الخرائط عبر تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، تحت شعارات الهوية والخصوصية وحق تقرير المصير، يتشكل اليوم مسار عالمي مضاد، أكثر صلابة وأشد خطورة.
على عكس نظرة البعض فالنظام العالمي لن ينهار بل يواجه الانهيار باستيعاب أقطاب جدد أكبر حجما وأقل قوة، هذا المسار الجديد لا يعلن نفسه صراحة، لكنه يعمل في العمق، ويقوم على منطق الاندماج القسري لا الاختياري، والتكتل الصلب ظاهريا، في محاولة لاعادة “ربط العصي” معا قبل أن تنكسر جميعا في مواجهة صدام عالمي قادم.
ولعل حديث رئيس وزراء كندا الذي انتقد النظام الدولي القائم وأعلن ضرورة تشكيل تحالفات أخرى لمواجهة الهيمنة التقليدية، في ردة فعل على التغيرات التي تقودها القوى الكبرى والتي لا تحترم الكيانات الأضعف والأصفر اقتصاديا وعسكريا ثم حديث الكاتب نيل ماك فاركوهار في مقاله ازدواجية معايير الغرب في النزاعات المنشور في جريدة نيويورك تايمز وألمح فيه أن العالم النامي يسلط الضوء على ازدواجية معايير الغرب في غزة وأوكرانيا قائلا ”تبرز ازدواجية في التعامل الدولي بما يتعلق بمعايير القانون الدولي والنظام العالمي، وهو نقاش يرتبط بفكرة فقدان الهيمنة القديمة وتشكّل نظام جديد متعدد الأقطاب”.
هذا التحول ليس رومانسيا ولا أخلاقيا، بل براغماتيا إلى أقصى حد، جذوره اقتصادية قبل أن تكون سياسية، ومستنسخة حرفيا من تجربة اندماج الشركات العملاقة التي أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة. وكما حدث في عالم المال والأعمال، لم يعد هناك مكان فعلي للكيانات الصغيرة المستقلة. من لم يندمج، ابتلع. من لم يكبر، اختفى.
ففي الاقتصاد انهارت شركات، وابتلعت أخرى، وصعدت تكتلات عابرة للحدود تتحكم في الأسواق، وتعيد توزيع المخاطر، وتفرض القواعد. واليوم، ينتقل المنطق نفسه من دفاتر المحاسبة إلى خرائط العالم. الدول الصغيرة تجد نفسها أمام معادلة قاسية: إما أن تذوب داخل كيان أكبر، أو أن تتحول إلى هامش بلا تأثير، وربما بلا مستقبل.
بعض الطروحات السياسية التي تبدو اليوم صادمة أو فجة، ومنها أفكار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول ضم أو استيعاب مناطق ودول أخرى، لا ينبغي قراءتها كاستثناءات أو نزوات فردية ففي السياسة لا شيء يأتي مصادفة، بل هي تعبير فج عن منطق عميق يجري تلميعه بهدوء في الكواليس: العالم لم يعد يتسع لكثرة الدول، بل لتعدد القوى. إما أن تكون داخل النادي، أو تتحول إلى ورقة تفاوض.
من وجهة نظري، النظام العالمي الجديد لا يقوم على القانون الدولي كما نعرفه، بل على تصور أكثر قسوة: عدد محدود من الدول الكبرى ذات الإمكانات الهائلة، تقوم بابتلاع أو احتواء كيانات أصغر، تحت عناوين الأمن، والاستقرار، ومحاربة الفوضى، وضمان سلاسل الإمداد. إنها لغة الشركات نفسها، لكن بأدوات الجيوش والعملات والتحالفات.
الفكرة ليست جديدة فالولايات المتحدة هي النموذج الأوضح والأكثر نجاحا، دولة لم تقم على التفكك، بل على الاندماج، ولايات متباينة في التاريخ والموارد والهوية، جرى صهرها داخل كيان فيدرالي واحد، لا يلغي الخصوصيات لكنه يخضعها لمنطق السوق الواحدة والقوة الواحدة، هكذا ولدت قوة اقتصادية قادرة على امتصاص الأزمات وإعادة تدويرها داخليا بدل الانهيار أمامها.
هذا النجاح لم يكن سياسيا فقط، بل اقتصاديا بامتياز. السوق الأمريكية الموحدة هي السلاح الحقيقي للولايات المتحدة. وحين انتقل منطق الاندماج إلى عالم الشركات، اكتمل المشهد. شركات عملاقة تشكلت عبر موجات استحواذ متتالية، بعضها برعاية مباشرة أو غير مباشرة من مؤسسات الدولة العميقة، لتصبح أدوات نفوذ لا تقل خطورة عن حاملات الطائرات. شركات صغيرة لم تنج إلا حين تخلت عن استقلالها، واختارت الذوبان بدل الفناء.
وعندما نطبق المنطق نفسه على الدول، يصبح مفهوما لماذا تتراجع فكرة التقسيم، ولماذا تفقد الدعوات الانفصالية بريقها، فالدولة الصغيرة، مهما امتلكت من خطاب سيادي، تعجز عن تمويل الدفاع، أو حماية العملة، أو امتلاك التكنولوجيا، أو حتى فرض شروطها في التفاوض، والسيادة هنا تصبح شعارا فارغا، لا يحمي خبزا ولا حدودا.
العالم اليوم لا يكافئ الضعفاء، ولا يحترم الصغار، بل يكافئ من يملك السوق الأكبر، والموارد الأوسع، والقدرة على التحكم في الإنتاج والتوزيع. نحن أمام نسخة دولية من رأسمالية الاحتكار، لكن هذه المرة على مستوى الدول لا الشركات، عدد أقل من الكيانات، أكبر حجما، أكثر شراسة، تتقاسم إدارة العالم.
قد يبدو هذا الطرح على السطح مناقضا لمخطط برنارد لويس لتفتيت الشرق الأوسط، لكنه في العمق قد يكون نسخته الأكثر خبثا. بدل تفتيت مباشر، نحن أمام كيانات كبرى في الشكل مثل الصين الكبرى وامبراطورية روسيا والهند العظمي دولا أخرى أكبر في المنطقة العربية تتوسع واتجاهاتها المختلفة طوعا رغبة في البقاء أو الأمان، تبرز ككيانات ضخمة ظاهريا، لكن الخطر الحقيقي في ما يجري اقتطاعه من الداخل. ماذا لو كان قلب هذه الكيانات هو الثمن؟ ماذا لو أعيد إنتاج المعادلة القديمة بصيغة جديدة: منحناك وطنا أكبر، فامنحنا في المقابل موطئا دائما لدولة إسرائيل الكبرى؟
الخطر لا يكمن في الاندماج ذاته، بل في اندماج كيانات منهكة اقتصاديا، فاسدة سياسيا، دون إصلاح أو عدالة. هنا فقط يتحول الاندماج إلى قنبلة موقوتة، وتولد فظائع قد تتجاوز ما عرفه العالم في الحربين العالميتين، لأن أدوات الدمار اليوم أشد فتكا، والإنسان أقل قيمة.
السؤال الحقيقي ليس هل هذا الاتجاه عادل أو أخلاقي، بل هل يمكن إيقافه؟ كل المؤشرات حتى أن كانت تبدو ضعيفة تقول إن منطق العصر لا ينتظر المترددين، من يعاند هذا التيار، سيخرج من اللعبة، لا كضحية نبيلة، بل كخسارة فادحة. وكما أثبتت التجربة الأمريكية، فإن جمع الإمكانات هو طريق القوة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!