RSS
2026-02-09 19:03:10

ابحث في الموقع

كرسي واحد.. ووطن معلّق

كرسي واحد.. ووطن معلّق
بقلم: د. فراس مصطفى

ليس أخطر على الأوطان من أن تُعلَّق حياتها على كرسي واحد، فحين يصبح المنصب هو الغاية، ويتحول الكرسي من وسيلة لخدمة الناس إلى هوية شخصية، تتوقف الدولة، وتدخل الحياة السياسية والاقتصادية في حالة شلل، ويدفع المجتمع بأكمله ثمن تمسّك فرد أو مجموعة بموقع لا يرون أنفسهم خارجه.

الحياة، في جوهرها، حركة مستمرة، والدولة، مثل الجسد، إن توقف عن الحركة ضمرت عضلاته وماتت أطرافه واحدًا تلو الآخر، لكن في السياسة، كثيرًا ما نرى العكس، أشخاصًا يظنون أن بقاءهم هو شرط استمرار الدولة، وأن مغادرتهم تعني الفوضى، فيتشبثون بالكرسي حتى تتحول الحياة العامة إلى انتظار طويل بلا أفق.

المشكلة لا تبدأ بالمنصب نفسه، بل بالخلط بين القيمة الشخصية والموقع الرسمي، فحين يُقاس الإنسان بكرسيه، لا بما يقدمه، يصبح التخلي عن المنصب أشبه بالموت السياسي وعندها يُبرَّر التعطيل، ويُشرعن التأخير، وتُفسَّر الأزمات على أنها “مؤامرات”، لا نتائج طبيعية للتعنت وغياب المرونة.

وحين يطول الانتظار، تظهر الحاشية (الانتهازيون والمتملقون ووعاظ السلاطين)، تلك الحلقة الطفيلية التي تعيش على استمرار الأزمة، وتقتات على انسداد الحلول لتهمس للحاكم بما يريد سماعه ، لا بما يجب أن يسمعه وتقنعه بأن الشارع معه، وأن الخارج يتفهم موقفه، وأن الوقت يعمل لصالحه، بينما الواقع هو العكس وتشرعن له مواقفه.

وفي هذه الأجواء، يصبح الوطن معلّقًا! مؤسسات معطلة، قرارات مؤجلة، مشاريع متوقفة، واقتصاد يترنح، شعب ينتظر الفرج لكن لا بصيص للنور في نهاية النفق المظلم يرافقه مسلسل مدروس من قصص مفتعلة لتشتيت الانتباه متبلة بقليل من البهارات، تعطيل صرف الرواتب وقطع المخصصات، تصريحات على اعتقال "فاشنيستات" على "شوية طنين" إعلامي لذباب الأزمات وهَلُمَّ جرّا.

تمر الأشهر دون حلول، لا لأن البرامج متضاربة أو الرؤى متناقضة، بل لأن الكرسي لم يُحسم أمره بعد، ولأن بعضهم لا يرى في السياسة تداولًا للمسؤولية، بل إقامة دائمة في السلطة وحق مكتسب واستحقاق شخصي والأخطر من ذلك أن من يتمسك بالمنصب لا يسأل نفسه: ماذا بعد؟ ماذا عن القبول الداخلي؟ ماذا عن النظرة الخارجية؟ ماذا عن الثمن الذي يدفعه الناس؟ بل يزداد التصاقا به من باب “إما أنا أو الفراغ”، لتتحول الدولة إلى رهينة، لا إلى كيان حي.

التاريخ مليء بالأمثلة، حكّام سقطوا لا لأنهم لم يمتلكوا القوة، بل لأنهم عاشوا داخل فقاعة صنعتها الحاشية وجعلت منهم آلهة ونقلت إليهم صورة وردية عن واقع متصدّع، وعن حياة عامرة لكنها بالحقيقة موت بطيء ومعاناة مزمنة فظنوا أن الزمن متوقف عندهم.

ما نراه اليوم ليس حالة استثنائية، بل نتيجة منطقية لسياسة تُدار بعقلية الشخص لا الدولة، وبحسابات الموقع لا المصلحة العامة، ديمقراطية تُختزل في نصوص دستورية لا تعدو ان تكون حبر على ورق، روحها—التناوب، التفاهم، وتقديم الحلول—غائبة عن الممارسةو بعيدة كل البعد عن الأمل في التطبيق وليس امكانية التطبيق.

إن المسؤولية الحقيقية لا تُقاس بمدة البقاء في المنصب، بل بالقدرة على اتخاذ القرار الصعب في اللحظة المناسبة، حتى لو كان هذا القرار هو المغادرة، فترك المجال للآخرين ليس هزيمة، بل إدراك أن الوطن أكبر من أي كرسي وان بقاء القادة لا يقاس بمدة جلوسهم على الكراسي، بل بقدرتهم على معرفة اللحظة التي يجب أن ينهضوا فيها عنها، فالدولة التي تُدار بعقلية التعنت لا تموت بضربة واحدة، بل تختنق ببطء، ويختفي فيها الأمل تحت ركام الانتظار والكرسي لا يصنع وطنًا، والحاشية لا تصنع شرعية، والوقت حين يُهدر لا يعود ومن يظن أن الوطن يمكن أن يبقى معلّقًا إلى ما لا نهاية فهو مخطيء، لأن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى، وأن التاريخ لا يكتب أسماء المتمسكين بالمناصب، بل يسجل لحظة سقوطهم عنها.

و باختصار فإن (كرسي واحد… قد يبدو تفصيلاً لكن وطنًا معلّقًا… هو الكارثة بعينها).

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!