RSS
2026-02-17 12:08:23

ابحث في الموقع

أثر المدلول اللفظي في التكييف القانوني: الضمان والتعويض نموذجاً

أثر المدلول اللفظي في التكييف القانوني: الضمان والتعويض نموذجاً
بقلم: زينة شاكر خسرو

لا يُعدّ المصطلح القانوني مجرد وسيلة لغوية للتعبير عن الحكم بل هو الإطار الذهني الذي يُبنى عليه التكييف القانوني وتستمد منه طبيعة الالتزام وآثاره فالمصطلح هو المدخل الأول لفهم النص ومن خلاله يتحدد ما إذا كان الالتزام قائماً على فكرة الخطأ الشخصي أم على مجرد فوات الحق ومن ثمّ فإن الخلل في ضبط المدلول الاصطلاحي لا يُعدّ مجرد خلل شكلي بل يعكس اضطراباً في التصور القانوني السابق على الحكم وهو ما ينطبق عليه القول الأصولي المستقر بأن (الحكم على الشيء فرع عن تصوره) ويبرز هذا الإشكال بوضوح في القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 لا سيما في تكرار استعمال لفظ الضمان في مواضع تتقارب آثارها المالية لكنها تختلف جذرياً في أساسها القانوني مما أثار خلافا فقهيا حول ما إذا كان المشرع قد خلط بين الضمان والتعويض أم أنه انتهج بناءً تشريعياً مقصوداً يستلهم أحكام الفقه الإسلامي ويعيد صياغتها في قالب مدني حديث.

ويكشف التدقيق في هذا البناء التشريعي أن الضمان في القانون العراقي لا يقوم على فكرة المؤاخذة عن سلوك خاطئ بل يرتكز على (وعي التبعة) أي الإدراك القانوني بأن من يضع يده على مال غيره يتحمل تبعة هذا المركز بصرف النظر عن سلوكه وهذا الوعي يجعل الضمان عهدة قانونية تلازم الذمة بمجرد تحقق سببه ويستند المشرع في ذلك إلى الفقه الإسلامي حيث جاء في كتب الشافعية والحنابلة أن من غصب مالاً أو وضع يده عليه يضمن العين والقيمة ولو لم يثبت خطأه، إذ أن الضمان لا يعوّض عن فعل بل يؤمن الحق وبالتالي فإن السبب الأجنبي في المادة (211) من القانون اعلاه لا ينعكس على استمرارية الالتزام لأن (الأعيان تهلك بالقوة القاهرة أما القيمة فلا تهلك) وبما أن الضامن يضمن القيمة كعهدة مستقرة في ذمته فإن استحالة رد العين بسبب قوة قاهرة لا تعني انقضاء الالتزام برد قيمتها إذ إن الالتزام هنا التزام بـ (نتيجة مطلقة) لا بـ (بذل عناية) ويؤكد هذا المنطق عبء الإثبات إذ يُعفى الدائن في دعوى الضمان من إثبات الخطأ أو التعدي بينما يتحمل الدائن في دعاوى التعويض عبء إثبات الخطأ والعلاقة السببية بين الفعل والضرر.

وتتضح دقة المشرع أكثر في المادة (186) منه التي فرّقت بين الإتلاف المباشر والتسبب ففي الإتلاف المباشر ينشأ الضمان بمجرد وقوع الفعل دون اشتراط التعدي أو التعمد فهو ضمان عيني محض قائم على التبعة بينما في حالة التسبب اشترط المشرع قيام التعدي أو التعمد فتتحول المسؤولية إلى تعويض شخصي قائم على الخطأ وأي خلط بين النوعين يؤدي إلى إهدار حقوق المضرور من خلال السماح للمباشر بالاحتجاج بانعدام التعدي وهو ما يعكس عبقرية المشرع في الفصل بين الضمان العيني الموضوعي والتعويض القائم على الخطأ وينسحب هذا المنطق أيضًا على ضمان الاستحقاق في المادة (550) مدني حيث تتحول يد البائع بمجرد ظهور حق الغير من (يد عقد) إلى (يد ضمان) فيتحمل تبعة المركز القانوني غير المستقر الذي وُضع فيه المشتري ويمنع عليه الدفع بالقوة القاهرة أو السبب الأجنبي للانفكاك من التزامه برد الثمن والتعويضات لأن التزامه نابع من (تبعة الاستحقاق) لا من (تقاعس السلوك).

وينعكس هذا التباين على نظام التقادم أيضا فبينما تخضع دعاوى التعويض المرتبطة بالخطأ للتقادم القصير (ثلاث سنوات وفق المادة 232) من القانون مدني العراقي فإن دعاوى الضمان العيني كالاستحقاق والغصب تخضع للتقادم الطويل (خمسة عشر سنة وفق المادة 429) من قانون ذاته والعلة هنا مزدوجة إجرائية وقانونية إذ أن (القيمة والحق) عنصران أصيلان في الذمة المالية لا يندثران بمرور الزمن القصير على عكس الخطأ الذي يبهت ويصعب إثباته وهو ما يعكس فلسفة السنهوري المتأثر في الفقه الإسلامي في ربط الأساس القانوني للالتزام بالآثار العملية والحقوقية.

غير أننا نجد المشرع العراقي في مواضع أخرى لا يفرق في عبارته بين التعويض والضمان بل يجمعهما في لفظ واحد وهذا بيّن في نص المادة (193) من القانون المدني العراقي التي قضت بأن (يضمن الغاصب إذا استهلك المغصوب أو أتلفه أو ضاع منه أو أتلف كله أو بعضه بتعديه أو بدون تعديه) فالمتأمل في هذه الصياغة يلحظ أن لفظ الضمان هنا قد استوعب معنى جبر الضرر الناشئ عن الهلاك بصرف النظر عن تكييفه عهدةً أو جزاءً، وعند مراجعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني العراقي نجد أن العلامة السنهوري قد جلى هذا اللبس مبيناً أن المراد بالضمان في هذا السياق هو (التعويض) مما يشير إلى أن المشرع قد يتوسع في إطلاق لفظ الضمان ليشمل أثر التعويض المالي.

وإنما كان هذا المسلك من المشرع العراقي بسبب تأثره البالغ بالفقه الإسلامي الذي لا يقف عند الفوارق اللفظية بين الضمان والتعويض وقوفه عند استنقاذ الحقوق وإيصالها لأهلها وهذا ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون المدني العراقي صراحة حين اعتبرت (الفقه الإسلامي المصدر الثالث من مصادر القانون المدني) فكانت عبارات القانون العراقي صدى لما استقر في كتب الفقهاء من أن الضمان أثر شرعي يترتب على وضع اليد العادية أو الإتلاف فجاءت الصياغة القانونية مستلهمة لهذا النفس الفقهي الذي ينظر إلى الضمان بوصفه كلياً يجمع شتات جبر الأضرار ورد الأعيان.

خلاصة القول إن التكييف الصحيح للضمان بوصفه (تبعة) لا (تعويضاً) هو الأداة المنهجية التي تمنع تملص المدين من التزامه تحت غطاء السبب الأجنبي وتضمن للمضرور حقاً لا يسقط بالتقادم القصير وتعيد الاعتبار لمنطق العهدة المستلهم من الفقه الإسلامي والذي صاغه المشرع العراقي بعقلية قانونية حديثة حيث يحقق الانسجام بين فلسفة الضمان العيني التقليدية ومتطلبات القانون المدني الحديث من حيث الأساس القانوني والنتيجة المالية والأثر الإجرائي بما يضمن حماية الملكية والاستقرار القانوني.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!