تعد الشوارع المحيطة بالعتبات المقدسة في كربلاء عروقاً نابضة بالحياة، لا سيما تلك التي احتضنتها الذاكرة قبل أن تدركها يد التوسعة العمرانية. ومن بين تلك المسارات المفعمة بالجمال، يبرز (شارع علي الأكبر) كأيقونة تراثية كانت تربط الأرض بالسماء، والناس بالتاريخ.
في تلك الحقبة الذهبية من عمر كربلاء، حيث كان لكل زاويةٍ حكاية ولكل رصيفٍ وجه مألوف، كان (شارع علي الأكبر) يمتد كشريطٍ من الذكريات الجميلة، محاذياً لمنطقة (ما بين الحرمين) من جهة شارع الإمام علي (عليه السلام). يبدأ هذا المسار المبارك من (باب قبلة أبي الفضل العباس) (عليه السلام)، لينسج من هناك شبكةً من الدرابين والسكك التي تفوح بعطر الهوية الكربلائية الأصيلة.
كان الشارع يفتح ذراعيه ليتفرع منه مساران؛ أحدهما يمضي بك نحو قلب منطقة (ما بين الحرمين) الحالية، حيث يطالعك (جامع الأحمدية) بوقاره، ومحل (شنايدر) الشهير الذي كان يمثل واجهة الأناقة للألبسة الجاهزة. أما الفرع الآخر، فكان (دربونةً) تبدأ بمحل الحاج (عباس منگولة) (بإدارة السيد أمين الموسوي)، لتمضي بك السكك وصولاً إلى (جامع الصافي) الهادئ.
كانت عمارة الشارع تزهو ببناءٍ شاهقٍ تطل منه ثلاث (بلكونات) هي فندق (جار العباس)، الذي تشارك ملكيته السيد نصر الله ومحمد حسن أبو المعالي، ليقف الفندق كحارسٍ يطل بنهايته على باب القبلة العباسية، يرقب الزائرين بابتسامةٍ من خشبٍ وحجر.
لم يكن شارع علي الأكبر مجرد ممرٍ للتجارة، بل كان معرضاً للوجوه الكربلائية السمحة. هناك، كانت تتجاور المحلات وتتباين سلعها كما تتباين طباع أصحابها في تنوعٍ يثري الروح:
الأناقة والحرفية تبدا من محل (رشيد زميزم) للساعات، إلى محلات (باتا) الشهيرة التي تعاقب على إدارتها رجالات كـ (يوسف البنا) و(الحاج إبراهيم صدقي) (صاحب القصة المأساوية مع النظام البائد)، ومحلات أحذية (دجلة) و(برج إيفل) للسيد زكي.
اما الزينة والبركة فتبدا هي الاخرى من محل (أبو مجيد أبو العكل) الذي كان يعرض السبح والترب والمحابس، ومحل (أبو وهاج) الذي يغمر المارة برائحة الشموع والملبس، وسيد عباس الأطرقجي في فرعه الذي يعرض السجاد (الزوالي) العتيق.
اما الفن والتوثيق: فيبدا من صوّر (إسكندر) و(ستوديو المصور) اللذان حبسا الزمن في لقطاتٍ لا تُنسى.
على أرصفة هذا الشارع المحاط بسياج حديدي يضفي عليه هيبةً، كانت تتوزع محطات الاستراحة؛ فمن مرطبات (جليل شنطوط) التي تبرد القلوب، إلى (مطعم اللواء) الشهير مقابل (عگد شير فضة)، ومحل (دهنتين حسين شربتي) الذي كان علامةً فارقة في وسط الشارع.
وفي نهايات الشارع، كانت أصوات المطارق ترسم سيمفونية العمل في (سوق الصفافير)، حيث تُصنع الأواني المنزلية من (القدور والمصاخن والطشوت) بصناعةٍ يدويةٍ متقنة. وبالقرب من تلك الضوضاء الجميلة، كانت تقبع مكتبة عريقة وسبيلاً كبيراً للماء، يرتوي منه العطاشى قبالة حرم الإمام الحسين (ع)، في مشهدٍ يجسد روح الكرم والخدمة.
لقد غير الزمان ملامح المكان، وضاعت تلك (الدرايبن) في فضاء التوسعة الكبرى، لكن نكهة شارع علي الأكبر بقيت محفورةً في وجدان أهل كربلاء. فمن (طرشي الميناء) إلى (معرض الخفاف)، ومن (سيد حسين الموسوي) إلى (صيدلية طالب دلال)؛ تبقى تلك الأسماء نجوماً تضيء ذاكرة المدينة، مذكرةً إيانا بزمنٍ كان فيه الجارُ لجارِهِ داراً، والشارعُ لأهلهِ وطناً صغيراً.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!