RSS
2026-02-20 20:39:10

ابحث في الموقع

بين سوقين… حكاية صائم عراقي في ألمانيا وسؤال موجع في العراق

بين سوقين… حكاية صائم عراقي في ألمانيا وسؤال موجع في العراق
بقلم : عمار الخالدي

في اتصالٍ عابرٍ عبر أحد تطبيقات التواصل، كان صوتُ “علي” ــ صديقٌ عراقي جاب بلدانًا عدة قبل أن يحطّ رحاله أخيرًا في ألمانيا ــ محمّلًا بدهشةٍ لا تخلو من مقارنة.

يقول علي إن أكثر ما لفت انتباهه في شهر رمضان داخل المدن الألمانية، لا سيما في الأحياء التي تقطنها الجاليات العربية، هو انخفاض أسعار عددٍ من المواد الغذائية مع حلول الشهر الفضيل. بعض المتاجر تعلن تخفيضاتٍ واضحة “احترامًا للصائمين”، فيما تتعامل أخرى بمنطقٍ إنساني بحت: الخضروات والفواكه التي تبقى حتى نهاية اليوم تُجمع في أكياس وتُباع بنصف السعر، وأحيانًا تُمنح مجانًا لمن يأتي قبيل الإغلاق.

“هناك فرصة لمن لا يملك ثمنها في الصباح أن يحصل عليها مساءً”، يقول علي، مضيفًا أن مشهد توزيع الفائض أو تخفيضه لا يُنظر إليه كخسارة تجارية، بل كجزء من ثقافة عامة تقوم على منع الهدر الغذائي ودعم ذوي الدخل المحدود.

هذه الصورة دفعت إلى سؤالٍ مؤلمٍ في الطرف الآخر من المكالمة: لماذا يبدو المشهد مغايرًا في أسواق عراقية مع دخول رمضان؟

شكا مواطنون من ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية، ومن عرض خضروات وفواكه متدنية الجودة بأسعارٍ مرتفعة، فيما تتضاعف كلفة متطلبات المطبخ مقارنةً بالأيام العادية.

ان هذه الظاهرة لها عدة عوامل، أبرزها ضعف الرقابة الفعلية على الأسواق، وتذبذب سلاسل التوريد، وغياب سياسات تسعير موسمية واضحة، إضافة إلى استغلال بعض التجار لزيادة الطلب خلال الشهر الكريم. في المقابل، تشير تجارب أوروبية إلى دورٍ فاعلٍ للبلديات وغرف التجارة في مراقبة الأسعار، وتفعيل قوانين حماية المستهلك، فضلًا عن ثقافة مجتمعية تجرّم الاحتكار وتحدّ من رمي الطعام.

ويبقى السؤال مطروحًا: هل المسألة دينية أم إدارية؟

في ألمانيا، حيث لا يشكّل الإسلام الإطار العام للدولة، تُراعى احتياجات الصائمين ضمن منظومة قانونية واقتصادية تنظم السوق وتمنع الاستغلال. أما في العراق، حيث يشكّل رمضان طابعًا اجتماعيًا وروحيًا واسعًا، فإن غياب الضبط الصارم يفتح الباب أمام جشعٍ موسميٍّ يرهق الأسر محدودة الدخل.

بين سوقين، تتجلى مفارقةٌ لافتة: العدالة في الأسعار ليست شعارًا دينيًا فحسب، بل منظومة قانون وثقافة ومسؤولية.

وفيما ينتظر المواطن العراقي دورًا أكثر حزمًا للحكومة وأجهزتها الرقابيةة في كبح الاحتكار ومحاسبة المتلاعبين، يبقى الأمل معقودًا على وعيٍ مجتمعي يرفض الاستغلال، ويعيد لرمضان معناه الأصيل: شهر الرحمة… لا موسم المضاربة.


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!