يُعد ملف الأموال العراقية المودعة في حسابات البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي واحدًا من أكثر الملفات المالية تعقيدًا في تاريخ العراق المالي المعاصر. إذ ارتبطت هذه الأموال بسلسلة من القرارات الأممية والعقوبات الدولية التي رسمت ملامح الاقتصاد العراقي منذ غزو النظام السابق للكويت في 2 اب 1990 وحتى يومنا هذا.
القرار (1483) الإطار القانوني والاقتصادي
شكل قرار مجلس الأمن الدولي رقم (1483)، الذي اعتمد بالإجماع في 22 أيار 2003، الإطار القانوني والاقتصادي لإدارة عائدات النفط العراقي عقب احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق في 9 نيسان 2003. صدر القرار بموجب “الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة”، مما منحه صفة إلزامية دولية. ومن أبرز ملامحه:
– الاعتراف بسلطة الاحتلال: اعترف القرار صراحةً بالولايات المتحدة وحلفائها كدول قائمة بالاحتلال تحت قيادة موحدة تُسمى “سلطة الائتلاف المؤقت”، وألزمها بالعمل وفقًا لميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية، ولا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949، لضمان حقوق الشعب العراقي.
– رفع العقوبات: أنهى القرار العزلة الدولية المفروضة على العراق منذ عام 1990 بموجب القرار 661 والقرارات اللاحقة، حيث رفع مجلس الأمن جميع العقوبات المالية والتجارية باستثناء حظر بيع الأسلحة والمعدات العسكرية.
آليات إدارة الموارد المالية الجديدة
لإدارة الموارد المالية، نص القرار على ما يلي:
1. إنشاء صندوق تنمية العراق (DFI): أُنشئ الصندوق وأودع في عهدة البنك المركزي العراقي، وخصص لجمع عائدات تصدير النفط، والأموال المجمدة للنظام السابق التي أمر القرار الدول الأعضاء بتحويلها إليه، وفائض برنامج “النفط مقابل الغذاء”. كان الهدف المعلن استخدام هذه الأموال لتلبية الاحتياجات الإنسانية وإعادة الإعمار. أما آلية الصرف، فكانت بتوجيه من سلطة الائتلاف المؤقت وبالتشاور مع الإدارة العراقية المؤقتة. ولضمان النزاهة، أُنشئ المجلس الدولي للمشورة والمراقبة (IAMB) الذي ضم ممثلين عن الأمين العام للأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي. تولى هذا المجلس المصادقة على مدققي حسابات مستقلين للتأكد من أن مبيعات النفط وصرف الأموال تتم وفقًا لأفضل ممارسات السوق الدولية.
2. إدارة عائدات النفط: أوجب القرار إيداع جميع عائدات مبيعات النفط في هذا الصندوق، مع استقطاع 5% منها لصالح صندوق التعويضات المنشأ بموجب القرار 687 لتعويض المتضررين من غزو الكويت.
3. أوجه صرف الأموال: حدد القرار ضرورة استخدام أموال الصندوق بشفافية لتلبية الاحتياجات الإنسانية، وإعادة إعمار الاقتصاد، وإصلاح البنية التحتية، وتغطية تكاليف الإدارة المدنية، ونزع السلاح.
4. إنهاء برنامج “النفط مقابل الغذاء”: قضى القرار بإنهاء البرنامج تدريجيًا خلال ستة أشهر، وتحويل مليار دولار من الأموال غير المرتبطة به إلى صندوق تنمية العراق فورًا.
مثل القرار 1483 الغطاء الشرعي الذي مارست من خلاله سلطة الائتلاف المؤقت نفوذها، ورسم خارطة الطريق لتحويل الأصول المالية وعائدات النفط إلى قنوات إعادة الإعمار. ورغم رفعه العقوبات، إلا أنه وضع الموارد المالية العراقية تحت إشراف دولي وصلاحيات واسعة لسلطة الائتلاف.
الأمر التنفيذي 13303 والحماية الأمريكية
بالتزامن مع القرار 1483، أصدر الرئيس الأمريكي جورج بوش “الأمر التنفيذي رقم 13303” في 22 أيار 2003، لتوفير حماية قانونية واسعة لأموال الصندوق وعائدات النفط من أي ملاحقات قضائية أو حجز دولي، لضمان استمرار إعادة الإعمار.
التنفيذ العملي: اللائحة رقم 2 لعام 2003
تم التنفيذ العملي لمقتضيات القرار 1483 بواسطة اللوائح التنظيمية التي أصدرتها سلطة الائتلاف المؤقت، ولا سيما اللائحة رقم 2 لعام 2003. نص الجزء الثالث منها على حفظ أموال صندوق تنمية العراق في حساب يُفتح لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك باسم “البنك المركزي العراقي / حساب صندوق تنمية العراق”.
ورغم أن اللائحة أعطت الحق لمسؤول سلطة الائتلاف المؤقت (بول بريمر) بتوجيه فتح حسابات في مؤسسات مالية أخرى، إلا أن الحساب الرئيسي والوحيد فُتح في البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وكان البنك، بناءً على توجيهات سلطة الائتلاف، يحول 95% من عائدات النفط إلى حساب الصندوق، و5% إلى حساب التعويضات.
نهاية صندوق تنمية العراق (DFI)
بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1956 في 15 كانون الأول 2010، الذي صدر بناءً على طلب الحكومة العراقية، تقرر إنهاء ترتيبات إيداع عائدات صادرات النفط في صندوق تنمية العراق اعتبارًا من 30 حزيران 2011. وبذلك انتهت ولاية المجلس الدولي للمشورة والمراقبة (IAMB). ونتيجة لذلك، انتقلت إدارة الأموال بالكامل إلى الحكومة العراقية، لكن مع فقدان الحماية الأممية الشاملة. أصبح العراق يعتمد على أمر تنفيذي يصدره الرئيس الأمريكي سنويًا (مثل الأمر 13303) لتوفير حصانة قانونية لأمواله المودعة في الخارج ضد مطالبات الدائنين.
إدارة الأموال حالياً: حساب IRAQ2
مع انتهاء عمل صندوق تنمية العراق الأصلي (IRAQ1) في عام 2010، انتقلت إدارة أموال النفط إلى آلية جديدة:
1. الحسابات المصرفية الحالية (IRAQ2): فتحت الحكومة العراقية حسابًا بديلاً في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك يُعرف باسم (IRAQ2). تُودع جميع إيرادات مبيعات النفط العراقي في هذا الحساب، ثم تُنقل خلال 24 ساعة إلى حساب البنك المركزي العراقي (IRAQ1) لتجنب المطالبات الدولية أو الحجز عليها، حيث تُصنف الأموال المودعة فيه على أنها أموال سيادية تابعة لبنك مركزي.
2. إلزامية الإيداع: بما أن العراق يُسعر نفطه بالدولار، فهو ملزم بإيداع عوائده في البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. كما أن بقاء الديون الخارجية السابقة دون تسوية (حوالي 40 مليار دولار) يمنع العراق من إغلاق هذه الحسابات أو نقل الأموال بسهولة، لأنها ستكون عرضة للمصادرة الفورية من قبل الدائنين بمجرد خروجها من مظلة الحماية الأمريكية.
3. مذكرة التفاهم: لضمان استمرار تدفق أموال النفط وحمايتها، وُقعت مذكرة تفاهم في 2 حزيران 2014 بين بنك الاحتياطي الفيدرالي ووزارة المالية العراقية لتنظيم العمل في حساب IRAQ2، وهي الاتفاقية التي لا تزال تمثل الأساس القانوني لإيداع الأموال العراقية في الولايات المتحدة.
الحصانة السيادية المؤقتة
نظرًا لانتهاء الحماية الدولية التي كانت توفرها الأمم المتحدة بموجب الفصل السابع، يعتمد العراق الآن على حصانة سيادية يجددها الرئيس الأمريكي سنويًا للأموال المودعة في البنك الفيدرالي، بشرط أن تكون أموالًا سيادية وليست ناتجة عن أنشطة تجارية. تهدف هذه الحصانة السنوية إلى حماية أموال العراق من الدائنين السابقين، حيث لا تزال هناك ديون عالقة تقدر بحوالي 40 مليار دولار غير مسواة، مستحقة لدول داخل نادي باريس وخارجه. كما أن هناك تخوفًا من وجود دائنين غير معروفين قد يحركون دعاوى قضائية بمجرد انتهاء الحصانة السيادية.
موقف البنك المركزي العراقي
أصدر البنك المركزي العراقي، ممثلًا بدائرة الاستثمارات والتحويلات الخارجية، وثيقة رسمية وجهها إلى الأمانة العامة لمجلس النواب، شرح فيها الآليات القانونية واللوجستية المعتمدة في إدارة الأموال العراقية في الخارج. وجاءت هذه الوثيقة ردًا على استفسارات نيابية تقدم بها النائب المهندس عدنان الجابري.
وأوضح البنك في كتابه ذي العدد (5/3/1464) والمؤرخ في 14 أذار 2024، أن السند القانوني لإيداع إيرادات النفط الخام في حساب (IRAQ2) يعود إلى ما بعد انتهاء تمديد الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأمريكي عام 2003، وكذلك بعد انتهاء الحماية التي كانت توفرها الأمم المتحدة للأموال العراقية في عام 2010.
كما حذر البنك المركزي من أن إغلاق الحسابات لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي سيؤدي إلى تبعات خطيرة، منها:
أ- تعريض العراق لمخاطر المطالبات الدولية والقضائية.
ب- فقدان القدرة على إجراء التسويات المالية بالدولار الأمريكي لعدم وجود قنوات بديلة كافية.
الطريق نحو حصانة سيادية دائمة
لتأمين الأموال العراقية، يتطلب الأمر الانتقال من الحماية المؤقتة إلى الحصانة السيادية الدائمة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال استكمال تسوية ما تبقى من ديون نادي باريس، وتعزيز العلاقات مع الدول الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، الاتحاد الأوروبي، اليابان، وروسيا) لضمان دعمهم في حماية الأموال العراقية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!