RSS
2026-06-20 16:18:19

ابحث في الموقع

عاشُورْاءُ.. السَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة - متَى يكُونُ النِّفاقُ أَو الخِذلانُ ؟!

عاشُورْاءُ.. السَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة - متَى يكُونُ النِّفاقُ أَو الخِذلانُ ؟!
بقلم: نزار حيدر

من علاماتِ صدقِ التشيُّعِ، أَكانَ لرمزٍ أَو لقضيَّةٍ أَو لعقيدةٍ، الدِّفاعُ عنها بعدَ وعيِها، ولا يتحقَّقُ ذلكَ إِلَّا بالصِّدقِ مع الذَّاتِ والثِّقةِ بها وبالتَّالي الإِستعدادُ للتَّضحيةِ من أَجلِ حمايتِها والدِّفاعِ عنها.

  وليسَ بالضَّرورةِ أَن تكونَ التَّضحيةُ بالنَّفسِ فقد تكونُ سمعةً تخسرَها أَو مالاً تُنفِقهُ أَو موقِعاً تخسرهُ أَو شائِعات وتُهَم باطِلة تتلقَّاها، كما لو أَنَّكَ تُخيَّرُ بينَ السُّلطة والمال والجاه وبينَ أَن تتشبَّث بالنَّزاهةِ وبنظافةِ اليدِ وطهارةِ السُّلوكِ، فإِذا كنتَ واثقاً من نفسكَ ثابتاً في تشيُّعكَ للقِيمِ الرساليَّةِ الرَّاقيةِ والسَّاميةِ فستترُكُ كُلَّ شيءٍ من أَجلِ أَن تبقى كما أَنتَ لا تتغيَّر والعَكسُ صحيحاً.

  والشكُّ عادةً هو بدايةُ الإِستعدادِ للتَّضحِيةِ أَو الخِذلان أَو بدايةٌ لترسيخِ الإِيمانِ أَو النِّفاقِ، فكيفَ ذلكَ؟!؛

  لأَنَّكَ إِذا شككتَ في عقيدتِكَ أَو بمَن تتشيَّعَ لهُ [فكرةً أَو رمزاً] فستقفُ عندَ مُفترقِ طرُقٍ؛ فإِما أَن تبدأَ رِحلةَ البحثِ والتَّفكيرِ خارجَ الصُّندُوقِ للعودةِ إِلى حالةِ اليقينِ والثِّقةِ وبالتَّالي تعودُ كما كنتَ بتشيُّعكَ مُؤمِنٌ واثقٌ صادقٌ معَ مَن تشيَّعتَ لهُ، وهذا أَمرٌ محمودٌ جدّاً حتَّى لا يكونُ تشيُّعكَ للفكرةِ أَو العقيدةِ أَو الرَّمزِ عاطفيّاً أَو {بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} بل هوَ تشيُّعُ الوَعي والمعرفةِ.

  أَو أَنَّكَ في رحلةِ البحثِ والتَّفكيرِ ستكتشِفَ أَنَّكَ مُغفَّلٌ مضحُوكٌ عليكَ مبيُوعٌ خفيفُ العقلِ {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}.

  هُنا ستقِفُ مرَّةً أُخرى عندَ مُفترقِ طُرقٍ؛ فإِمَّا أَن تصحرَ برأيكَ الذي قَد يُكلِّفكَ حياتكَ خاصَّةً إِذا كانت يدُ مَن تشيَّعتَ لهُ طويلةً مُتنفِّذةً خائفةً على مصالحِها ونفوذِها وأَسرارِها و [سمعتِها] التي بنَتها بالكذبِ والدَّجلِ والتَّضليلِ والغشِّ والخداعِ، يعملُ بطريقةِ العصاباتِ التي تلجأُ إِلى تصفيةِ ضحاياها المُنشقِّينَ لحمايةِ خصوصيَّاتِها! أَو أَنَّك ستحتفِظَ بالنَّتائجِ التي توصَّلتَ لها بالبحثِ والتَّدقيقِ ولا تكشفَ عنها، وعندَها ستجدُ نفسكَ وقَد دخلتَ في نفقِ النِّفاقِ الذي لهُ أَوَّلٌ وليسَ لهُ آخِرٌ، فتُعلِنُ عكسَ ما تُخفي وتُصرِّحُ بخلافِ ما تُؤمِنُ بهِ وتُبدي رأياً يتناقضُ معَ ما تعتقدُ بهِ وتُدافِعُ وتُخاصِمُ عمَّن لا تراهُ أَهلاً للدِّفاعِ أَو يستحِقُ المُخاصمةِ، وهكذا دَواليك!.

  أَو أَنَّكَ ستجِدُ نفسكَ تخذُلُ ما تشيَّعتَ لهُ أَو مَن تشيَّعتَ لهُ!.

  رأيي أَنَّ على المرءِ أَن لا يحرِصَ في كُلِّ هذهِ الحالاتِ إِلَّا على أَمرٍ واحدٍ فقط أَلا وهوُ الصِّدقُ مع الذَّاتِ، فيكونُ صادقاً معَ نفسهِ ينجُو بها مِن النِّفاقِ وازدِواج الشخصيَّة والخِذلان، وإِلَّا؛ ماذا ينفعُكَ مِن كُلِّ الدُّنيا إِذا كنتَ تضحكَ على نفسِكَ ولا تثقَ بعقلِكَ وتُشكِّكَ فيما تعتقدُ وتُؤمِنُ بهِ وفيما تضحِّي مِن أَجلهِ؟!.

  ولذلكَ فمعَ كُلِّ المُعاناةِ التي عاشَها أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) مع [أَصحابهِ] الذينَ تشبَّعُوا بالنِّفاقِ والخُذلانِ حتَّى وصلَ بهِ الحالُ إِلى أَن يتمنَّى بقولهِ {يَا أَشْبَاه الرِّجَالِ ولَا رِجَالَ! حُلُومُ الأَطْفَالِ وعُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ ولَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةً (واللَّه) جَرَّتْ نَدَماً وأَعْقَبَتْ سَدَماً قَاتَلَكُمُ اللَّه لَقَدْ مَلأْتُمْ قَلْبِي قَيْحاً وشَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً وجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساً وأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ والْخِذْلَانِ حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ قُرَيْشٌ إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ ولَكِنْ لَا عِلْمَ لَه بِالْحَرْبِ.

  لِلَّه أَبُوهُمْ! وهَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً وأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي! لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا ومَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ وهَا أَنَا ذَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ ولَكِنْ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ!} وقوله (ع) يتمنَّى {أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ الْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ.

  صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللَّه وأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللَّه وهُمْ يُطِيعُونَهُ، لَوَدِدْتُ واللَّه أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وأَعْطَانِي رَجُلًا مِنْهُمْ!}.

  معَ كُلِّ هذهِ المُعاناة ومعَ علمهِ اليَقين بدواءِ القَومِ لتقويمِ اعتدالهِم، إِلَّا أَنَّهُ لم يكُن ليُفكِّرَ قيدَ أَنمُلةٍ بإِفسادِ دينهِ لإِصلاحِ دُنياهُم أَو للتَّلاعُبِ بصِدقهِ معَ نفسهِ وثقتهِ بها لتعديلِ ما اعوَّجَ مِنهُم، أَبداً!.

  يقولُ (ع) {وإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ ويُقِيمُ أَوَدَكُمْ ولَكِنِّي لَا أَرَى إِصْلَاحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي.

  أَضْرَعَ اللَّه خُدُودَكُمْ وأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ! لَا تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ ولَا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الْحَقَّ!}.

  ذات المَوقف وذات الثَّبات إِنتهجهُ السِّبطُ الحُسين الشَّهيد (ع) فهوَ كانَ على علمٍ بما يُمكنُ أَن ينقِذهُ من القتلِ أَو يحميهِ من سُلطةِ الطَّاغوت، فكانَ بإِمكانهِ أَن يفعلَ ما فعلهُ الآخرُون لينجُو بنفسهِ كأَن يُبايعَ الطَّاغيةَ يَزيد أَو لا ينهَض بمسؤُوليَّتهِ فيبقى جالِساً في بيتهِ يُغلقُ البابَ على نفسهِ ويُلقي بحبلِها على غاربِها أَو يتفرَّغ لقراءةِ القُرآن الكَريم وتدريسُ السنَّةِ النبويَّةِ في مسجدِ جدِّهِ رسولُ الله (ص) بالمدينةِ المنوَّرةِ، وهوَ أَولى بذلكَ من أَيِّ واحدٍ آخر! إِلَّا أَنَّهُ لم يشأ أَن يختارَ أَيٍّ من كُلِّ هذهِ الخَياراتِ كَونهُ لم يرَ فيها أَنَّها تحمي ثقتهُ بنفسهِ وصدقهُ معَ رسالتهِ وقضيَّتهِ ومسؤُوليَّتهِ.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!