RSS
2026-06-20 18:12:22

ابحث في الموقع

عاشوراء.. ومسؤولية المعزِّين

عاشوراء.. ومسؤولية المعزِّين
بقلم: علي الراضي الخفاجي

لانجدُ شعيرة دينية كبيرة إلّا ولها أصلٌ في الدِّين، وقد يكون ارتباطها وثيقاً به، ممَّا يجعل من الصعوبة فصلها عن منابعه، بل قد تكونُ امتداداً له، وقد يتعرَّضُ هذا الارتباط إلى تصدُّع أوتشويه نتيجة ممارسات مُسْتحْدثة يجري وراءها الناس دون شعور، ممَّا يُسبِّبُ في غياب الهدف، فمهما استحدثتْ شعائر فلابُدَّ من عرضها على الشارع المقدس؛ لأنَّ وظيفة الشعائر هي ربط الناس بالدِّين من خلال ممارسات معينة، أما لو تُرِكَ الأمرُ إلى الناس فستكون الشَّعائر حينئذ هي من تُبعدُ الناس عن الدِّين، أما شعيرة عاشوراء فعلى الرغم من تقادم الزمن وطروء المُسْتحْدثات لمْ تنفصل عن ارتباطها بالمنظومة الدينية ومنابعها؛ لأنها مثَّلتْ مبادئ الدِّين بشكل كامل، ولأنها كانت حركة نبوية في كلِّ خطواتها، وحركة قرآنية في كلِّ تفاصيلها، ماجعلها تتَّصفُ بالعصمة في حركتها، وهذا ماقَدَّرَ لها أن تمتدَّ في عمق الزمن، وهذا ما سمَّاهُ الإمام الحسين عليه السلام بـ(الفتح).

ولايخفى أنَّ ثورة عاشوراء كمبدأ قد حُفِظَ من قبل الغيب، ولكن تقعُ على المعزِّين في هذه الشعيرة مسؤولية كبيرة في التعاطي معها، وذلك بالحفاظ على أصالتها وعدم مخالفتها لتعاليم الشَّرَعِ، من خلال مسؤوليتهم في إيصال مبادئ النهضة الحُسينيَّة إلى الأجيال، وترجمتها في السلوك العملي اليومي، ونشر الأهداف التي قامتْ من أجلها، والحثِّ على فهمها بشكل موضوعي، وتغذية الخطاب المنبري بالتعرُّف على أبعادها، إضافة إلى الحفاظ على تنظيم ممارسة الشعائر بما يعكسُ ثقافة المعزِّين، فإنَّ هذه الممارسات لها جانبان: ظاهري؛ لإظهار المصيبة والتذكير بها؛ كي لايطوي الزمن بعض جوانبها ويغفل الناس عنها، كلبس السواد وإظهار الحزن، وحضور المجالس، وعزاء المؤمنين بعضهم بعضاً، وجانب قلبي نعيشُ به المأساة ونتصوَّرها، وهذا ما أوضحه الإمام الرضا عليه السلام للريَّان بن شبيب الذي قال: دخلتُ على الإمام الرِّضا عليه السلام في أول يوم من المُحرَّمِ فقال لي: ياابن شبيب، إنْ سرَّك أنْ تكون معنا في الدَّرجاتِ العُلى من الجنان فاحزنْ لحزننا، وافرحْ لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أنَّ رجلاً تولَّى حجراً لحَشَرَهُ عزَّ وجلَّ معه يوم القيامة). عيون أخبار الرِّضا عليه السلام، 1: 300، كما رُوِيَ عنه أيضاً عليه السلام:(كان أبي عليه السلام إذا دخل شهر المُحرَّم لايُرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلبُ عليه حتى يمضي منه عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قُتِلَ فيه الحُسين عليه السلام). الأمالي، للصدوق، ص/128. 

ذلك يستوجبُ على المعزِّين مسؤولية الحفاظ على خشوع عاشوراء الذي دَرَجْنا عليه، حينما تدخل ليلته تكونُ أشدُّ حُزناً من ليالي السَّنة كُلِّها، وعند الصبيحة إلى مابعد الظهر يكونُ أشبهُ بيوم الحَشْرِ، أما في مساء ذلك اليوم فإنَّهُ يكونُ أكثرُ ألماً وتفجُّعاً وشعوراً بالغُربة.

وفي ليلة ونهار عاشوراء أبعدُ ما يكونُ الناسُ عن الماديَّات وزخارف الدُّنيا، وكأنَّ السماء والجمادات مازالتْ تنزفُ دماً على ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأبعدُ مايكونون عن البيع والشراء وطلب المكاسب، فقد ورد عن الإمام الرِّضا عليه السلام:(منْ ترك السَّعيَ في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدُّنيا والآخرة). علل الشرائع، ص/227. 

فإنَّ حُرمة الحُسينِ عليه السَّلام كحُرمة القرآن الكريم؛ لحديث الثقلين المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله، وغيره من الأحاديث، وحُرمتُهُ كحُرمة رسول الله صلوات الله عليه وآله، فقد قال:(حُسينٌ منِّي وأنا منْ حُسين)، ووفق هذا الشعور يكون يوم عاشوراء يوم تطهير للنفس وتذكير بالواجبات وتحديد للموقف الذي ينبغي أن نرسمه في حياتنا في جانبها الحركي والإصلاحي. 

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!