وفي ظل تسارع التغيرات المناخية الشديدة وأزمة شح المياه الحالية، يؤكد مختصون ومسؤولون أن إحياء هذا الملف لم يعد مجرد رفاهية أو حملة موسمية، بل خطة وطنية مستدامة لحماية صحة المواطنين وصد زحف التصحر.
إحياء مشاريع التشجير
ويقول النائب عن تيار الحكمة زيدون النبهاني، إن “ملف الحزام الأخضر يعد من الملفات البيئية المهمة التي يتابعها مجلس النواب، حيث هناك نقاشات مستمرة مع الجهات الحكومية المعنية، ولا سيما وزارة الزراعة ووزارة البيئة، من أجل وضع رؤية عملية لإعادة إحياء مشاريع التشجير وتوسيع المساحات الخضراء، ولا سيما في العاصمة بغداد والمحافظات التي تشهد تصاعداً في العواصف الغبارية والتصحر”.
ويضيف، أن “معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تكون موسمية أو مرتبطة بحملات مؤقتة، وإنما يجب أن تندرج ضمن خطة وطنية مستدامة تتضمن تخصيصات مالية واضحة، واختيار أنواع نباتية تتلاءم مع البيئة العراقية، إلى جانب توفير مصادر مياه مستدامة لضمان نجاح مشاريع التشجير واستمرارها”.
الأمن البيئي
ويؤكد النبهاني أن “العمل على تعزيز التنسيق بين الوزارات والجهات المحلية لإزالة المعوقات التي أخرت تنفيذ مشاريع الحزام الأخضر خلال السنوات الماضية”، معتبراً أن “حماية البيئة ومواجهة آثار التغير المناخي لم تعد خياراً، بل أصبحت ضرورة تمس صحة المواطنين والأمن البيئي والغذائي للبلاد”.
ويستطرد، أن “مجلس النواب سيواصل متابعة هذا الملف رقابياً وتشريعياً، إلى جانب دعم أي خطوات تسهم في زيادة الرقعة الخضراء، والحفاظ على الأراضي الزراعية، والحد من التصحر والعواصف الترابية، بما ينعكس إيجاباً على الواقع البيئي في العراق”.
وفي 6 كانون الثاني 2022، كشفت لجنة الزراعة النيابية، أن الفساد كان من أبرز أسباب تعثر تنفيذ مشروع الحزام الأخضر، مؤكدة قرب عرض قانون التصحر والأتربة داخل مجلس النواب.
وبحسب تصريحات عضو اللجنة السابقة ابتسام الهلالي، فإن مشروع الحزام الأخضر صرفت عليه مليارات الدنانير، لكنه لم ينفذ بسبب الفساد، مشددة على ضرورة استكماله في جميع المحافظات لصد الأتربة القادمة من خارج البلاد.
وفي 8 حزيران 2026، أكدت المديرة العامة للدائرة الفنية في وزارة البيئة نجلة الوائلي، بحسب تصريح صحفي، أن ملف الحزام الأخضر يعد أحد المحاور الأساسية ضمن الخطة التنفيذية للاستراتيجية الوطنية لمكافحة تدهور الأراضي والحد من التصحر في العراق، مشيرة إلى أن تنفيذ المشروع يتم بالتنسيق بين وزارة الزراعة ومجالس المحافظات والسلطات المحلية، وفقا للخصوصية البيئية لكل محافظة.
تلكؤ المشروع
من جهته، يقول رئيس مرصد العراق الأخضر عمر عبد اللطيف، إن “مشروع الحزام الأخضر حول بغداد كان من المفترض أن ينفذ منذ عام 2009، كما أن المشروع لم يكن يقتصر على العاصمة فقط، وإنما كان ينبغي أن يشمل محافظات أخرى، منها النجف وكربلاء والأنبار، بهدف الحد من العواصف الغبارية والترابية التي تحولت لاحقاً إلى مشكلة كبيرة”.
ويضيف، أن “العراق كان يمتلك آنذاك فرصة مناسبة لتنفيذ المشروع، لعدم وجود التغيرات المناخية الحادة وارتفاع درجات الحرارة بالشكل الذي يشهده اليوم”، مشيراً إلى أنه “كان بالإمكان زراعة أنواع من الأشجار الملائمة للأجواء العراقية وسريعة النمو، بما يسهم في صد العواصف الغبارية والترابية والرملية قبل وصولها إلى بغداد وبقية المحافظات”.
تحديات مختلفة
ويتابع عبد اللطيف، أن “المشروع لم ينفذ في تلك الفترة، ربما تكون الظروف الأمنية والإرهاب أو الانشغال بمشاريع أخرى من الأسباب التي حالت دون تنفيذه، ومع ذلك أن تنفيذ المشروع في الوقت الحالي أصبح أمراً بالغ الصعوبة”، منوهاً إلى أن “أبرز التحديات تتمثل في نقص المياه، إلى جانب الإهمال الذي تتعرض له الأشجار، ومعاناتها من العطش والسرقة، فضلاً عن تعرض بعضها للقطع واستخدامه في أغراض أخرى، الأمر الذي يحد من فرص نجاح أي مشروع تشجير واسع”.
ويردف، أن “نوعية الأشجار تمثل تحدياً آخر، إذ إن كثيراً من الأنواع لا تتلاءم مع الأجواء العراقية، وقد تموت خلال فترة قصيرة قبل أن تحقق الغاية المرجوة منها”، مبيناً أن “الشجرة تحتاج إلى ما بين سبعة وعشرة أعوام حتى تصبح قادرة على المساهمة في الحد من العواصف وتحسين الأجواء”.
قلع الأشجار المعمرة
ويلفت عبد اللطيف إلى أن “العراق اتجه في السنوات الأخيرة إلى قطع أشجار عمرها أربعين وخمسين عاماً لتنفيذ مشاريع مختلفة، منها مشاريع الجسور، بدلاً من الحفاظ عليها وتعزيز المساحات الخضراء”.
ويكمل، أن “نجاح مشروع الحزام الأخضر يتمثل في الحد من العواصف الغبارية والرملية التي وصلت إلى نحو 100 يوم سنوياً، مع وجود توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 200 يوم نتيجة غياب الأحزمة الخضراء في بغداد والأنبار وعدد من المحافظات، كما أن التجارب المنفذة في كربلاء والنجف ما زال من المبكر الحكم على مدى نجاحها”.
ويعتقد رئيس المرصد، أن “المشروع كان سيحقق فوائد بيئية ومجتمعية، إذ يمكن تحويل مناطق الأحزمة الخضراء إلى غابات ومنتزهات مفتوحة تستوعب المواطنين والعائلات، وتخفف الضغط عن المتنزهات داخل المدن”، إلا أنه شدد على أن “الظروف الحالية تجعل تنفيذ المشروع وتحقيق نتائجه أمراً شبه مستحيل، لأن الأشجار تحتاج إلى سنوات طويلة للنمو، في وقت تتسارع فيه آثار التغيرات المناخية وتتفاقم بصورة أكبر”.
وواجه العراق خلال السنوات الأخيرة تحديات بيئية متزايدة نتيجة التغير المناخي، وتراجع الإيرادات المائية، واتساع رقعة التصحر التي تهدد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، فيما تعد العواصف الترابية المتكررة وانخفاض معدلات الأمطار من أبرز المؤشرات على تفاقم الأزمة.


التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!