RSS
2026-06-26 20:22:31

ابحث في الموقع

عاشُورْاءُ.. السَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة - بَينَ مِنبَرَينِ

عاشُورْاءُ.. السَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة - بَينَ مِنبَرَينِ
بقلم: نزار حيدر

[المِنبرُ] كأَيِّ آلةٍ أُخرى من الآلاتِ التي تفنَّنَ الإِنسانُ في صِناعتِها على مرِّ التَّاريخ لتكُونَ في خدمتِهِ يُنجِزُ فيها مآربهُ {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}.

  وهذهِ الآلاتُ، ومِنها المِنبرُ، فيهِ السَّليمُ وفيهِ السَّقيمُ، فيهِ النَّافعُ وفيهِ الضارُّ، فيهِ الذي يبني وفيهِ الذي يهدِمُ، فيهِ الذي ينشرُ الفضيلةَ وفيهِ الذي يُشيعُ الفاحِشةَ والرَّذيلةَ، فيهِ الذي يزرعُ الشَّجاعةَ وفيهِ الذي يوطِّنُ الخَوفَ والجُبنَ في القلُوبِ والنُّفُوسِ، فيهِ الذي يتحدَّى وفيهِ الذي يستسلِمُ، فيهِ الذي يُرسِّخُ الكرامةَ والعِزَّةَ وفيهِ الذي يُوطِّئُ للذلِّ والعبُوديَّةِ، ولقدِ اعتلاهُ رسلٌ وأَنبياءٌ وأَئمَّةٌ ومُصلحُونَ وثائرُونَ كما اعتلاهُ فاسدُونَ ولصوصٌ وأَئمَّةُ جَورٍ وبُغاةٌ وظالمُونَ وطُغاةٌ، والمِعيارُ في تحديدِ طبيعتهِ هوَ نَوعُ الخِطابِ وجَوهرهُ وفحواهُ ومُحتواهُ وليسَ الزيُّ والإِسمُ والإِنتماءُ! والدَّليلُ قَولُ الإِمامُ الجَوادِ (ع) {مَن أَصغى إِلى ناطقٍ فقَد عبدهُ فإِن كانَ النَّاطقُ ينطِقُ عنِ الله فقَد عبدَ الله وإِن كانَ النَّاطقُ ينطِقُ عن لسانِ إِبليس فقَد عبدَ إِبليس}.

  ولذلكَ فعِندما يصِفُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) المُتَّقين يقُولُ عنهُم بأَنَّهُم يَصغُونَ بقلُوبهِم وليسَ بآذانهِم فالأُذُنُ تسمعُ أَمَّا القَلبُ فيُصغي {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ}.

  والإِصغاءُ سَماعٌ معَ تفكُّرٍ وتأَمُّلٍ وتدبُّرٍ.

  يقُولُ (ع) {أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تالِينَ لأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا يُحَزِّنُونَ بِه أَنْفُسَهُمْ ويَسْتَثِيرُونَ بِه دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وأَكُفِّهِمْ ورُكَبِهِمْ وأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ وأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى ومَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ ويَقُولُ؛ لَقَدْ خُولِطُوا.

  ولَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ! لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ ولَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ فَهُمْ لأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ ومِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَه فَيَقُولُ؛ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ورَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي! اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ واجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ واغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ}.

  ولذلكَ يتأَثَّرُونَ بالمَوعِظةِ والنَّصيحةِ والخِطابِ الذي يُرشِدهُم إِلى مرضاةِ الله تعالى ويُجنِّبهُم معصِيتهُ وسخطهُ!. 

  كُلُّ ذلكَ يسري بمفعُولهِ وتوصيفهِ وصُورهِ كذلكَ على المِنبر الحُسيني الذي هوَ إِمتدادٌ لمِنبرِ رسولِ الله (ص) فمنذُ عاشوراء وإِلى يَومِنا هذا إِعتلاهُ ويعتلِيهُ خُطباءَ صالحينَ نزيهينَ عُلماءَ مُخلِصينَ مُتَّقينَ يخافُونَ الله في عبادهِ ولا تأخُذهُم في الله لَومةَ لائِمٍ من {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا} وينشرُونَ العِلمَ والمعرِفةَ والفَضيلةَ ويُربُّونَ على الأَخلاقِ الحميدةِ من الإِيثارِ والإِخلاصِ والحُبِّ والتَّضحِيةِ كما ينشرُونَ علُومَ القُرآن الكريم وعلومَ آلَ مُحمَّدٍ (ص) بكُلِّ وقارٍ وشجاعةٍ ووضُوحٍ سلاحهُم الحِوار والجِدال بالَّتي هيَ أَحسن والمنطِق والدَّليل والإِستشهاد بالنُّصوص القُرآنيَّة والسنَّة النبويَّة السَّليمة وتُراث وسيرَة أَئمَّة أَهل البَيت (ع) كما يقُولُ تعالى {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}.

  يشرحُون عاشُوراء ويُفسِّرونَ كربلاء ويُعرِّفونَ بأَهدافِ سيِّد الشُّهداء (ع) وسيرةِ شُهداء كربلاء بأَحسنِ أُسلوبٍ وأَشوقِ أَدبٍ وأَعمَقِ بلاغةٍ.

  يُواجهُونَ الظُّلمَ ويفضحُونَ الفَسادَ ويُميطُونَ اللِّثامَ عن المُستأكلينَ بعاشُوراء، كما وصفهُم الإِمام المعصُوم، من الذينَ يُتاجرُونَ بكربلاء وهُم أَبعدُ ما يكونُونَ عَنها بسلوكهِم المُنحرف وبظُلمهِم للنَّاسِ وبتجاوُزهِم على المالِ العامٍّ مِن الذينَ يصوِّرهُم المُرتزقَة وهُم يخوطُونَ بقِدْرِ القيمةِ أَو يسيرُونَ بينَ جمُوعِ الزَّائرينَ والمُعزِّينَ أَو يوزِّعونَ الطَّعامَ والماءَ، يصوِّرونهُم وهُم [لا يدرُون]!.

  واعتلاهُ خُطباء [دمِج] متهتِّكُونَ لا يفقهُونَ من كتابِ الله آيةً ولا يستوعِبونَ من الرِّوايةِ ومن تُراثِ أَهلِ البيتِ (ع) شيئاً ينشرُونَ الخُرافةَ والتَّجهيلَ والدَّجلَ بينَ النَّاسِ ويُبالغُونَ في الرِّوايةِ ويختلقُونَ القَصصَ لإِبكاءِ المُتلقِّي، أُسلوبهُم السَّب والطَّعن وسلاحهُم التُّهمة والفاحِشة ودليلهُم الرِّوايات الضَّعيفة والمَوضوعة والمُختلقَة!.

  وهذا النُّموذج تراهُ لا يرتقي المنابِرَ إِلَّا في مجالسِ الطُّغاة والحُكَّامِ الظَّالمِينَ والسِّياسييِّنَ الفاسدِينَ!.

  فمَن المسؤُول عن [المِنبرِ]؟! مَن المسؤُول عن تركيزِ وترسيخِ وانتشارِ [مِنبر العِلم والمَعرِفة والجِدال بالمنطقِ والفضِيلة والوَعي والعَقل السَّليم] ومُحاصَرة [مِنبر الرَّذيلة والجَهل والتخلُّف والخُرافة]؟!.


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!