RSS
2026-07-10 14:20:25

ابحث في الموقع

حماية المال العام بين الاسترداد والتضمين

حماية المال العام بين الاسترداد والتضمين
بقلم: د. امير طالب هادي التميمي

ليست كل مطالبة مالية تتعلق بالمال العام تضمينًا، فالمال العام قد يعود بطريق الاسترداد، وقد يُحصل بطريق التضمين، وقد يستوفى بوصفه دينًا حكوميًا، وقد يطالب به على أساس التعويض، وهذه الطرق، وإن التقت في غاية واحدة هي حماية المال العام، إلا أنها تختلف في السبب والإجراء والمخاطب والأثر، وتزداد أهمية التمييز حين يكون المال قد صُرف أو مُنح خلافًا للقانون بسبب خطأ موظف، سواء كان الخطأ مقصودًا أم غير مقصود، ففي مثل هذه الحالة لا يجوز التسرع إلى وصف الواقعة بأنها تضمين؛ لأن السؤال الأول ليس من الموظف الذي أخطأ؟ بل؛ هل يوجد شخص قبض مالاً عامًا بلا استحقاق ويمكن الرجوع عليه؟ فإذا كان المال قائمًا في ذمة من قبضه بلا حق، فإن الطريق القانوني الأصلح هو استرداده منه وفق القواعد العامة، لا تضمين الموظف ابتداءً بالمبلغ ذاته.

والاسترداد المقصود به هنا ليس الاسترداد المدني الناشئ عن عقد باطل أو علاقة تعاقدية خاصة، وإنما استرداد المال العام الذي وصل إلى يد شخص بلا سند مشروع، أو صُرف له خلافًا للقانون، أو تقاضاه بناءً على مركز قانوني غير صحيح، في هذه الصورة يكون مناط الرجوع هو بقاء المال في ذمة من قبضه بلا سبب مشروع، ولذلك يستند الاسترداد، من حيث الأصل، إلى القواعد العامة في رد غير المستحق ومنع الإثراء بلا سبب.

وقد ظهر هذا المعنى في قرار محكمة التمييز الاتحادية رقم 156//2015 الصادر في 28 /4 /2015، المتعلق بالمطالبة بإعادة الرواتب والمخصصات التي تقاضاها موظف عُيّن بناءً على وثيقة دراسية مزورة. فقد انتهت المحكمة إلى إلزامه بإعادة الرواتب والمخصصات التي استلمها من تاريخ تعيينه، لأن إشغاله للوظيفة العامة كان قائمًا على أساس غير مشروع، ولأن سبب استلامه لتلك المبالغ كان باطلاً من الأصل، ودلالة هذا القرار أن المال العام يسترد ممن دخلت المبالغ في ذمته بلا سند، لا أن الواقعة تتحول تلقائيًا إلى تضمين لموظف آخر شارك في إجراءات التعيين أو الصرف.

أما التضمين فهو طريق آخر، لا يعمل لمجرد وجود مبلغ مطلوب للدولة، ولا لمجرد وقوع خطأ إداري في الصرف، وإنما يعمل عندما يلحق المال العام ضررٌ بسبب إهمال أو تقصير أو مخالفة من موظف أو مكلف بخدمة عامة، فمحور الاسترداد هو المال الذي قبض بلا استحقاق، أما محور التضمين فهو الخطأ الذي سبب ضررًا في المال العام، وبذلك يكون الاسترداد متعلقًا بذمة القابض غير المستحق، بينما يكون التضمين متعلقًا بمسؤولية الموظف عن الضرر.

ومن هنا لا يصح أن يتحول خطأ الموظف في صرف المال أو منحه إلى تضمين مباشرة، فإذا صُرف مبلغ إلى شخص لا يستحقه بسبب خطأ موظف، فإن الأصل أن يُسترد المال من القابض غير المستحق، لأن هذا الشخص هو الذي اغتنت ذمته على حساب المال العام، أما الموظف فلا يضمن المبلغ ذاته إلا إذا ثبت أن خطأه أحدث ضررًا مستقلاً، أو أدى إلى تعذر الاسترداد، أو تسبب في ضياع المال على الخزينة بصورة نهائية، وبغير ذلك نكون أمام ازدواج غير مقبول نستطيع استرداد المال من القابض، ثم نحمّل الموظف قيمته أيضًا، وهذا يربك الوصف القانوني ويفتح بابًا لمخالفة منطق قانون التضمين والقواعد العامة في الإثراء بلا سبب، نعم يحال الى التحقيق وقد يعاقب متى ما ثبت للجنة تقصيره لكن لا يضمن وفقا لما ورد أعلاه.

وقد أكدت محكمة التمييز الاتحادية في القرار رقم 188/تعويض/2010 الصادر في 10 /11 /2010 أن قانون التضمين، وإن أعطى الوزير أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة صلاحية تضمين الموظف أو المكلف بخدمة عامة قيمة الأضرار التي تسبب بها للمال العام نتيجة إهماله أو تقصيره، إلا أنه لا يمنع الجهة المتضررة من اللجوء إلى القضاء مباشرة للمطالبة بتلك الأضرار إذا لم تكن قد أصدرت قرارًا بالتضمين، وهذا المبدأ يكشف أن حماية المال العام لا تنحصر في التضمين، وأن اختيار الطريق القانوني يجب أن يرتبط بطبيعة الواقعة؛ هل نحن أمام مال قبض بلا حق؟ أم أمام ضرر وظيفي أحدثه الموظف؟

وفي المقابل، إذا اختارت الإدارة طريق التضمين وأصدرت قرارًا صحيحًا من الجهة المختصة، فإن هذا القرار ينتج أثره المالي ولا يحتاج بالضرورة إلى إقامة دعوى جديدة للمطالبة بالمبلغ، فقد قررت محكمة التمييز الاتحادية في القرار رقم 207/تضمين موظف/2008 الصادر في 16 /3 /2008 أنه متى كان قرار التضمين صادرًا من الجهة الحكومية المختصة، وكان بالإمكان تنفيذه وفق قانون تحصيل الديون الحكومية، فلا موجب لإقامة دعوى جديدة للمطالبة بالمبلغ المضمن، وهذا يعني أن التضمين، متى صدر صحيحًا، ليس مجرد مطالبة عادية، بل قرار مالي له طريق خاص في التنفيذ.

غير أن التضمين لا يصح إلا بضماناته، فهو ليس وسيلة مختصرة لتحميل الموظف كل مبلغ تعجز الإدارة عن توصيفه، ولا أداة سهلة لتجاوز الرجوع على القابض غير المستحق، وقد قررت رئاسة محكمة استئناف ميسان الاتحادية بصفتها التمييزية في القرار رقم 37/2015 الصادر في 3 /3 /2015 أن المدير العام لا يملك حق تضمين الموظف، لأن القانون قصر إصدار قرار التضمين على الوزير المختص أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة بناءً على توصيات لجنة مشكلة وفق القانون، وهذا المبدأ يبين أن التضمين لا يقوم إلا من جهة مختصة وبإجراء مخصوص.

كما قررت رئاسة محكمة استئناف الكرخ الاتحادية بصفتها التمييزية في القرار رقم 544/2015 الصادر في 8 /11 /2015 أنه لا يجوز إصدار قرار بتضمين الموظف دون أن تجري لجنة التضمين التحقيق معه وتدوّن أقواله، ولا يصح الاكتفاء بتحقيق سابق أجرته جهة أخرى، وتزداد أهمية هذا القرار لأنه يتعلق بواقعة استلام راتبين من جهتين حكوميتين، وهي واقعة قريبة من صور استرداد المال العام، ومع ذلك شدد القضاء على أنه متى اختارت الإدارة وصف التضمين، وجب عليها أن تلتزم بضمانات التضمين لا أن تتعامل معه كتحصيل مالي مجرد.

وتبرز أهمية قانون تحصيل الديون الحكومية في مرحلة لاحقة، لا بوصفه بديلاً عن الاسترداد أو التضمين، بل بوصفه طريقًا لتحصيل مبلغ ثبت في الذمة، فإذا ثبت الدين أو صدر قرار تضمين صحيح، جاز سلوك طريق التحصيل وفق القانون، وقد قررت محكمة التمييز الاتحادية في القرار رقم 714/الهيئة الاستئنافية منقول/2025 الصادر في 18 /2 /2025 أن من لا يقتنع بالحجز الواقع على راتبه وفق قانون تحصيل الديون الحكومية فعليه سلوك الطريق القانوني للطعن بقرار الحجز، وأن دعوى منع المعارضة ورفع الحجز لا تكون الطريق الصحيح، وهذا يؤكد أن لكل طريق قانوني إجراءه وطعنه وآثاره.

كما أن الهيئة الموسعة المدنية في القرار رقم 106/قانون تحصيل الديون الحكومية ق/56 /77 /2015 الصادر في 15 /2 /2015 عالجت مسألة القرار الصادر وفق قانون تحصيل الديون الحكومية، وقررت خضوعه لطريق الطعن المقرر قانونًا، وأهمية هذا المبدأ في موضوعنا أن العبرة ليست بالتسمية التي يطلقها الخصوم أو الإدارة على الإجراء، بل بحقيقته ومصدره ، هل هو استرداد؟ أم تضمين؟ أم تحصيل دين حكومي؟

إن حماية المال العام لا تكون بتوسيع التضمين حتى يبتلع الاسترداد، ولا بتوسيع الاسترداد حتى يذيب المسؤولية الإدارية، الحماية الحقيقية تبدأ من التكييف الصحيح من قبض مالاً عامًا بلا استحقاق يردّه، ومن تسبب بخطئه في ضرر نهائي للمال العام يضمنه، ومن ثبت في ذمته دين حكومي يُحصّل منه بطريقه القانوني.

وعليه يمكن اختصار المعيار في عبارة واحدة بشرطها وشروطها -ان صح التعبير- في ان الاسترداد يتبع المال غير المستحق، والتضمين يتبع الخطأ المسبب للضرر، فإذا كان المال قائمًا في ذمة القابض بلا حق، فطريق الدولة هو الاسترداد وفق القواعد العامة، وإذا صار المال العام متضررًا بسبب خطأ موظف أو مكلف بخدمة عامة، فطريق الدولة هو التضمين وفق قانونه الخاص، أما الجمع بينهما على المبلغ ذاته، أو تقديم التضمين على الاسترداد مع إمكان الرجوع على القابض، فذلك ليس حماية للمال العام، بل اضطراب في وصفه القانوني فالمال العام لا يحتاج إلى عبارات واسعة بقدر ما يحتاج إلى طريق صحيح، ومن لم يفرق بين الاسترداد والتضمين قد يستوفي مبلغًا، لكنه يضعف الضمانات ويفتح بابًا للطعن، أما حين يوضع كل نظام في موضعه، فإن الدولة تسترد مالها بلا إثراء غير مشروع، وتضمن موظفها بلا ظلم، وتحصّل دينها بلا خلط في المسارات.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!