RSS
2026-07-10 18:37:41

ابحث في الموقع

العدالة في صورها المتعددة

العدالة في صورها المتعددة
بقلم: القاضي ناصر عمران

ليست العدالة مفهوماً صرفا يحتكره القانونيون، ولا شعارا أخلاقيا يتشدق به المتشدقون، بل هي قيمة فكرية وإنسانية اختلفت العقول في معرفة كنهها والمجتمعات في وسائل تحقيقها، فانبرت لها الفلسفة واحتكرتها الأديان فصارت للمقدس عنوانا وللقانون هدفا وغاية وللواقع تجسيدا وللسياسة أيديولوجيا وإذا كانت مفهوماً واحداً متفرداً في ظاهرها، فإنها في الواقع تتجلى في صور متعددة تتبارى وتتكامل لتحقيق الإنصاف، فهي المساواة في صورتها القانونية والتي تعني تطبيق القانون على الجميع دون تمييز أو محاباة.

واذا كانت السيادة للقانون وحده فإنها تتمثل بخضوع الحاكم والمحكوم للقواعد ذاتها دون استثناء، مع تحديد الحقوق والواجبات بشكل مسبق ومعروف للجميع. وبخلاف ذلك تصاب العدالة بمقتل ويفقد القانون هيبته والمؤسسات ثقتها. أما صورتها القضائية فهي الأكثر ارتباطاً بالمواطن وتتجسد من خلال المحاكم والإجراءات القضائية التي تضمن حماية حقوق وحريات المتقاضين. وهي لا ترتبط بإصدار الأحكام فحسب انما ترتبط باستقلال القضاء كسلطة والقاضي كمركز قانوني مع ضمان حق الدفاع والمساواة بين الخصوم وسرعة فصل في المنازعات.

وتبرز إلى جانب العدالتين القانونية والقضائية صورة اخرى للعدالة في جانبها الاجتماعي والتي تهدف إلى تحقيق التوازن بين أفراد المجتمع عن طريق توفير الفرص المتكافئة والحد من الفوارق الطبقية وضمان الوصول العادل إلى التعليم والرعاية الصحية والعمل والخدمات الأساسية. فالاستقرار الاجتماعي لا يتحقق بالقانون وحده، بل يحتاج إلى طمأنة المواطن وشعوره بالإنصاف وتكافؤ الفرص.

 والعدالة في جانبها الاقتصادي بوصفها ركناً من أركان التنمية المستدامة، تقوم على أساس توزيع الأعباء والمنافع بصورة عادلة، ومكافحة الفساد، وحماية المال العام، وتمكين الأفراد من المشاركة في النشاط الاقتصادي على أساس الكفاءة والاستحقاق اما العدالة الأخلاقية فإنها تنبع من الضمير الإنساني. فالقوانين وحدها غير قادرة على تحقيق العدالة إذا غابت القيم الأخلاقية التي تدفع الإنسان إلى احترام حقوق الآخرين والالتزام بالقانون، إن صور العدالة المتعددة لا تتعارض مهما تتعدد ولا تنافس لتتخلى عن هدفها وغايتها وتعمل على إزاحة بعضها، بل هي حلقات متكاملة في منظومة واحدة.

فالعدالة القانونية تحتاج إلى قضاء مستقل، والعدالة القضائية تحتاج إلى بيئة اجتماعية عادلة، والعدالة الاقتصادية تحتاج إلى إدارة رشيدة، والعدالة الأخلاقية تشكل الإطار القيمي الذي يمنح جميع هذه الصور معناها الحقيقي. ولهذا فإن بناء دولة العدالة لا يتحقق الا بإقامة منظومة متكاملة تجعل الإنسان محوراً لها، وتصون كرامته وحقوقه، وتمنحه الثقة فالإنصاف ليس شعاراً، بل ممارسة يومية تتجسد في المؤسسات والقوانين والسلوك العام. وعندئذٍ تصبح العدالة قيمة حية تتجاوز حدود النصوص لتتحول إلى ثقافة راسخة وأسلوب حياة. إدراكاً من الجميع بأن العدالة لا تقتصر على العلاقة بين الأفراد، بل تمتد إلى العلاقة بين الإنسان وبيئته وبالرغم من الصور التي استعرضناها للعدالة فان هناك صور اخرى للعدالة تتراءى في عوالمنا التقنية ستأخذ حيزها من الحضور الطاغي الا وهي العدالة الرقمية.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!