RSS
2026-07-11 16:04:59

ابحث في الموقع

إصلاح المسار التشريعي

إصلاح المسار التشريعي
بقلم: مصطفى كامل الغزي

يمثل التشريع أحد أهم الاختصاصات الدستورية لمجلس النواب، بل هو جوهر عمل السلطة التشريعية وأبرز مظاهر دورها في تنظيم شؤون الدولة والمجتمع. غير أن جودة التشريع لا تتحقق بمجرد تقديم مشروع القانون أو مقترحه، ولا بمجرد قراءته والتصويت عليه، وإنما تتحقق من خلال دراسة دقيقة، وصياغة قانونية رصينة، ومراجعة فنية متخصصة تسبق مرحلة الإقرار النهائي.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تطوير عمل دائرة التشريعات في مجلس النواب، بوصفها إحدى الدوائر الفنية المهمة التي يمكن أن تؤدي دوراً محورياً في إنضاج النصوص القانونية، ومساعدة اللجان النيابية على مراجعة مشروعات ومقترحات القوانين قبل عرضها للتصويت.

إن الارتقاء بالواقع التشريعي يتطلب أن تكون دائرة التشريعات مدعومة بفريق علمي وفني متخصص، لا يقتصر على الاختصاص القانوني وحده، بل يشمل اختصاصات أخرى تحتاجها العملية التشريعية، وفي مقدمتها: القانون، واللغة العربية، والاقتصاد، والمالية العامة، والإدارة، والسياسات العامة، فضلاً عن الاختصاصات الفنية ذات الصلة بموضوعات القوانين المعروضة على المجلس.

لذلك، فإن من المناسب أن تتجه رئاسة مجلس النواب إلى تمكين دائرة التشريعات من الاستعانة أو التعاقد مع فريق متخصص لا يقل عن ٢٠ خبيراً وباحثاً من حملة الشهادات العليا، يتولون دراسة مشروعات ومقترحات القوانين من مختلف الجوانب الدستورية والقانونية واللغوية والاقتصادية والمالية والاجتماعية، وتقديم الملاحظات الفنية إلى اللجان النيابية المختصة قبل وصول النص إلى مرحلة التصويت.

فكثير من الإشكالات التي تظهر بعد نفاذ القوانين لا تعود إلى أصل الفكرة التشريعية، وإنما إلى ضعف الصياغة، أو غموض النص، أو تعارضه مع قوانين نافذة، أو عدم دراسة آثاره المالية والإدارية والاجتماعية بصورة كافية. وهذه الإشكالات يمكن الحد منها متى ما سبقت عملية التصويت مراجعة متخصصة تتعامل مع النص التشريعي بوصفه أداة قانونية دقيقة لا تحتمل الارتجال أو الاستعجال.

كما أن تطوير العمل التشريعي لا يقتصر على دعم دائرة التشريعات بالخبرات، بل ينبغي أن يمتد إلى آلية قراءة القوانين داخل مجلس النواب. إذ من المناسب اعتماد مسار تشريعي أكثر إحكاماً يقوم على ثلاث قراءات واضحة لمشروعات ومقترحات القوانين؛ تكون القراءة الأولى مخصصة لعرض فكرة القانون وأسبابه الموجبة، وتكون القراءة الثانية لمناقشة المبادئ العامة والتعديلات المقترحة، أما القراءة الثالثة فتكون لعرض النص بصيغته النهائية بعد استكمال التدقيق القانوني واللغوي والفني، تمهيداً للتصويت عليه.

إن اعتماد قراءة ثالثة قبل التصويت من شأنه أن يمنح المجلس فرصة إضافية لمراجعة النص النهائي، ويمنع تمرير قوانين بصيغ غير ناضجة أو متعارضة أو مشوبة بالغموض. كما أنه يعزز مبدأ التشريع الرصين، ويجعل عملية التصويت مسبوقة بمرحلة تدقيق نهائي، لا سيما في القوانين المهمة التي تمس الحقوق والحريات أو المال العام أو تنظيم السلطات والمؤسسات.

إن مجلس النواب، بوصفه السلطة المختصة بتشريع القوانين، معنيّ بأن لا تكون العملية التشريعية مجرد إجراء شكلي، وإنما مساراً مؤسسياً متكاملاً يبدأ من الفكرة، ويمر بالدراسة والمراجعة والتدقيق، وينتهي بإقرار نص قانوني واضح ومنسجم وقابل للتطبيق.

إن تطوير دائرة التشريعات، ودعمها بكفاءات علمية متخصصة، واعتماد آلية أكثر دقة في قراءة القوانين قبل التصويت، يمثل خطوة ضرورية للارتقاء بالعمل النيابي، وتقليل الأخطاء التشريعية، وتعزيز ثقة الرأي العام بالمؤسسة التشريعية، وضمان صدور قوانين أكثر اتزاناً وانسجاماً مع الدستور والمصلحة العامة.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!